فشل الربيع العربي وعودة الفساد بقوة

اعتقد الساسة والمسئولون العرب على مدى العقود، أن شعبهم سيبقى ذلك الشعب الساذج الذي يضحكون عليه بالإبر المخدرة، بالتنمية المستدامة ورغد العيش، بالفعل قد كان لهم ذلك طيلة أكثر من خمسة عقود من الفساد والقهر والظلم وعدم المساواة بين أفراد الشعب الواحد، وعلى مدى كل مرحلة من مراحل التاريخ المعاصر، فعمدوا باستمرار وإصرار غير عادي إلى استحمار شعبهم حتى وقع الفأس في الرأس، وظهر ما سمي حينها بثورة الربيع العربي، الذي وللأسف تعمدوا إفشاله بأيدي قوى محلية مدعومة خارجيًّا؛ ليعيدوا لنا الاستعمار الأجنبي من جديد، كيف لا، ومسئولونا على الدوام عملوا على استغباء الشعب، وأصابوا الأمة من خلال تصرفاتهم وأقوالهم، إذ جعلوا من كل مواطن يحتار ويتعجب كثيرًا ويندهش أكثر وأكثر لأحاديث المسئولين الموقرين حول آفة الفساد، عندما تجد رئيس الدولة يشكو من ظاهرة الفساد، ورئيس الحكومة يعاني من الفساد، ورئيس البرلمان لا حديث له سوى الفساد ومشاكله المتعددة، وحتى الوزراء وأعضاء البرلمان، والمثقفين، ورجال الإعلام والصحافة، أصبح الفساد عنوان حديثهم وكتاباتهم اليومية، حتى المواطن لم ينفك يتحدث عن ظاهرة الفساد التي أكلت الأخضر واليابس، ويبقى السؤال الذي يحير إذا كان كل هؤلاء الصفوة من رجال السياسة والدولة و.. إلخ معترفين بوجود آفة الفساد وما يترتب عليه من تدمير للبنية الاقتصادية للبلد، ويؤخر كل مشاريع التنمية ويجعلها بالية غير صالحة في معظم الأحوال، مشاريع ركيكة لا تسمن ولا تغني من جوع، مشاريع ما إن تفتتح حتى تصبح غير صالحة خارج نطاق الخدمة.

الفساد شماعة كل فاشل

إذن من هو الفاسد؟ ومن هم المفسدون الذي لا يستطيع القانون أن يطولهم؟

شيء غريب ما يحدث، والأغرب أن كل الدول العربية يعترف مسئولوها بوجود الفساد في أجهزتها الحكومية، وكل ما نسمع شماعة، لا بد من مواجهته ومكافحته، وتقديم الفاسدين للمحاكمة، وتجميد أرصدتهم وإعادتها لخزينة الدولة!

لكن ما لم نعرفه حتى الآن من هم الفاسدون الذين يجب محاكمتهم وتقديمهم للعدالة وسؤالهم من أين لك هذا؟

من الذي وصل للمسئولية وليس في جيبه دولار واحد، وأصبح في رصيده الملايين، والشقق والفلل والسيارات، وأبناؤه يتعلمون في أحسن المدارس، وأفضل الجامعات في العالم.

شبع الشعب العربي كلامًا و«هدرة فاضية» لذر الرماد في عيون المواطن العربي الغلبان، الذي يجري خلف لقمة عيشه، كفى فسادًا وثراء دون وجه حق، المسئولية أمانة في أعناقكم، وكلكم راع ومسئول عن رعيته، كفاكم، تعبت الناس من البلطجة والعنجهة.

أقام الشعب العربي ثورات ما سمي بالربيع العربي من أجل تغيير أنظمة أسرفت جدًّا في الفساد، وتركت الشعب يغوص في حالة الفقر، والعوز، والجوع، وتدهور عام لكافة الخدمات الصحية، والتعليمية، والكهرباء، والماء… إلخ.

وحال الربيع العربي يقول وكأنك «يا أبو زيد ما غزيت»، أسقط الربيع العربي أنظمة يعترف الجميع بفسادها ليأتي اليوم جيل التلاميذ الذين تشربوا الفساد منذ المهد، واليوم فاقوا أساتذتهم فسادًا ونهبًا للبلاد والعباد .

وحال المواطن العربي زاد سوءًا أكثر من ذي قبل؛ فالفقر زاد الضعفين، والجوع أصبح ثلاثة أضعاف من ذي قبل، أما البطالة فحدث ولا حرج، فغالبية شعوب الربيع العربي أصبحت عاطلة دون عمل، إن لم نقل كل الشعب بلا عمل وبلا مصدر دخل يغطي مصاريف معيشته وحياته اليومية.

لن تنفع 100 ثورة عربية

نعود ونكرر، تبقى علة الأمة العربية في الفساد الذي لم يتزحزح، ولم تستطع ثورة الشعوب العربية قهره وإزالته، والقصة باختصار أن مفهوم السلطة لدى المسئولين العرب لا يتعدى أنها مصدر للتسلط والحكم الأوحد والجاه والمال والثراء الفاحش، ولا شيء غير ذلك، ولو أقام الشعب العربي مائة ثورة لن يتحقق منها شيء، طالما الضمير لدى البعض غائب، والوازع الديني شبه معدوم، ولا داعي بعد ذلك للتضحيات من أجل بعض المتسلقين الذي ركبوا كل الموجات من ناهبي الفرص أولئك، التلاميذ أبناء مدرسة الفساد الذين كبروا مع السنين، وصاروا «عتاولة» في صناعة الفساد وتعليمه، ولم يبق إلا المناشدة بإنشاء منظمة دولية تابعة للأمم المتحدة أو منظمة مستقلة رديف لمنظمة حقوق الإنسان، منظمة جديدة تحت مسمى منظمة حقوق الشعوب، تكون هدفها متابعة الفساد ومحاربته في كل دول العالم التي تعاني أزمات إنسانية، من فقر، وعوز، وجوع، دول ذات احتياج دائم ومستمر للمعونات والإغاثة الغذائية والدوائية، منظمة تعمل على استرداد أموال الشعوب الفقيرة وثرواتها من كافة بنوك العالم.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد