الربيع العربي.. هذا المصطلح أطلق على انتفاضة الشعوب العربية ضد حكامها الديكتاتوريين، لكنه أطلق عقب ثورة تونس، التي تمثل مساحتها وعدد سكانها نسبة ضئيلة بالمقارنة إلى مساحة الوطن العربي وعدد ساكنيه، لكنه ربيع عربي وليس تونسيًّا وفي ذلك دلالة واضحة على أنها ثورة عربية بنكهة تونسية أو مصرية أو ليبية أو سورية أو يمنية.

في فصولنا الدراسية الابتدائية والمتوسطة دأب المدرسون على تعليمنا في مناهج التاريخ والجغرافيا أن الدول العربية تنتمي جميعها إلى كيان واحد هو ذلك الوطن الذي يشترك فيه الجميع في التاريخ واللغة والمصير المشترك، كنت أسأل نفسي دائما ما المقصود بالمصير المشترك؟

عندما قامت الثورة في مصر في يناير 2011، كان واضحا أن الشعب دخل في معادلة صفرية مع النظام، إما التنحي أو أن يتخلص النظام من الجمهور بأكمله، وطبعا كان الخيار المنطقي هو التنحي ولو بشكل صوري، ولكن الملاحظ يدرك أن النظام لم يكن يملك قاعدة شعبية متينة يستند إليها، لم يستطع أن يحتمي بإحدى المحافظات على حساب الأخريات، الوطن كله كان ضده، الكل كان يؤمن بأن الخلاص بالوحدة، بأن المصير مشترك!

في النسخة الماضية لكأس العالم في كرة القدم، كان فريق الجزائر الفريق العربي الوحيد المشارك في تلك النسخة، وعبارة الفريق العربي الوحيد هي بالضبط ما قيل حرفيًّا في معظم القنوات العربية الرياضية والسياسية وحتى قنوات الأطفال، الكل كان يشجع الجزائر، الكل كان يتحدث عن لاعبي الفريق وما يصنعون في المباريات، وقد يبدو للوهلة الأولى أنه مجرد سلوك عادي من شعوب تفر من ضغوط الحياة والموت إلى أي شيء حتى لو كان كرة قدم، لكن المتأمل لبواطن الأمور يدرك أنه انفعال غريزي، في لحظة ما من الانتصار أو الفرح أو الحزن أو الفخر تتلاشى فينا بواعث القطرية المقيتة، ونقف أمام ذواتنا مجردين من الحواجز والجمارك وجوازات السفر، مجردين من كل شيء عدا أننا ننتمي إلى وطن واحد.

وفي نفس السياق أيضا، الجميع يتحدث أن «رياض محرز» اللاعب الجزائري الذي نال جائزة أفضل لاعب في بطولة إنجلترا لكرة القدم، بأنه اللاعب العربي الأول الذي نال تلك الجائزة، ينسب مرة أخرى إلى العرب بطريقة آلية فطرية دون مقدمات أو شروط، كأن الجميع متفق على أن أمرا ما يجمعنا، لكن الجميع أيضا متفق على عدم البحث في الأمر، كأنه السر الذي يعرفه الجميع ويتواطأ الجميع على كتمانه وعدم البوح به.

ههنا لحظة الحقيقة وميقات كشف دونه كشف الصوفية، إن الأنظمة القمعية التي حكمت بلادنا من شرقه إلى غربه لم تعدل في أمر كعدلها في تقسيم الظلم والقمع والاستبداد بين العباد، لا فرق في ذلك بين جمهوريات أو ممالك أو جماهيريات، الكل سواء في ميزان الاستبداد، نظام القمع واحد وله فرع في كل قطر عربي، ويجمع تلك الفروع مؤسسات نسبت زورا إلى الشعوب العربية كالجامعة العربية وغيرها، حتى بعض الأسماء الشخصية لبعض الدكتاتوريين تكاد تتطابق إلا من حرف أو حرفين، في مشهد يحيلك إلى الايمان العميق الذي يغشى القوم بوحدة مصائرهم جميعا، إلا أنه إيمان السلاطين وأين منه إيمان الرعية.

لم تنتصر الثورة في تونس حتى آمن سكان القصرين أن نجاحهم مرهون بإيمان أهل العاصمة بفكرتهم، ولم يتنح مبارك حتى جمع ميدان التحرير فلاحي الصعيد مع طلاب القاهرة والإسكندرية، ولم يسقط باب العزيزية حتى التقى ثوار بنغازي مع ثوار طبرق وهكذا الحال في كل قطر عربي، لن يحدث تغيير أو تقدم حتى يؤمن الجميع بالفكرة الجامعة.

ولن ينزاح عن وطننا العربي ذلك النظام الغاشم المتحكم في مصائر العباد حتى يسود إيمان راسخ بوحدة الجغرافيا والتاريخ، وأن التغيير الجذري لن ينجح في أي قطر عربي، حتى يتحقق في كل الأقطار العربية، وهذا ليس إحياء لفكرة القومية العربية التي انتحرت على أسوار الشام، ولكنه إيمان بوحدة المصير المشترك.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد