أذكر يومها أني كنت جالسًا مع ثلة من الأصحاب، نتناقش حول وضعنا الرديء الذي وصلنا إليه ومستقبلنا الذي غدا ضبابيًا لحد العمى، كان قد مر وقت قصير شهدنا فيه احتجاجات في عدة ولايات في الجزائر بسبب زيادة في أسعار السكر والزيوت النباتية، وجاء في سياق حديثنا ما يحصل في تونس تلك الأيام من مظاهرات واحتجاجات تطالب بتغير الوضع ككل بدأً بالنظام القائم إلى الواقع المرير الذي كان يحياه التونسي منذ عقود، منذ أحرق ذاك الشاب الفقير نفسه أمام عربته التي كان يقتات منها، في بيع كيلو جرامات معدودة من الخضر، قبل أن تصفعه يد الظلم والجور وتسلب منه آخر رمق من حياته، ليضطر للاحتجاج بطريقته الخاصة تلك، وكأنه توقع القادم فلم يقرر معاقبة أحد سوى نفسه.

كان الليل قد بدأ يخيم ويلقي بظلاله على الشوارع الفارغة كعادة أيام الشتاء في بلدنا، أذكر أن أحد الأصدقاء لفت انتباهنا لشيء لم ننتبه له وقتها، كل المقاهي كانت ممتلئة عن آخرها، رغم غياب مبرر واضح لذلك فعادة المقاهي في بلدنا أن لا تمتلأ إلا في مبارياة كرة القدم وخاصة التي يكون المنتخب الوطني أحد طرفي اللقاء فيها، ففي تلك الليلة لم تكن هناك مباريات لا محلية ولا عالمية.

 لهذا ساقنا فضولنا أولا والفراغ والملل ثانيا لإلقاء نظرة عما كان الناس يشاهدونه، بخطوات متسارعة هرولنا لمقهى الحي وما كدنا نصل حتى بدأت تصل لمسامعنا صراخات الحشود الغاضبة، كانت زاوية التصوير  علوية يبدو أنها مأخوذة بواسطة مروحية، وما كدنا نتمعن في الصورة حتى قشعرت أبداننا لهول ما رأيناه، كان شارع الحبيب بورقيبة ممتلأ عن آخره بالناس، وكانت أعلام تونس وورق الشجر الأخشر يصنعان لوحة فنية أقرب لروائع بيكاسو وفانغوغ ودافينشي، وكان الحشد يردد في مقطع واحد: الشعب يرد إسقاط النظام، قبل أن يأتي الخبر اليقن من شريط الأخبار العاجلة بلونه الأحمر الفاقع، عاجل: الرئيس التونسي يغادر البلاد إثر تصاعد الاحتجاجات المنادية برحيله، ويالها من فرحة، حتى وإن كانت لا تعنينا، قد فعلها التونسيون وأعادوا الأمل لأمة كانت حالتها منذ عقود أقرب لموت سريري، هي أيام قلية بعدها،عاينا مباشرة سقوط رئيس آخر في مصر، صحيح أن كل ما كان يحصل وقتها كان على أنقاض جثث بريئة ودماء لا ذنب لها كنا نأسف وننكسر لرؤيتها.

إلا أني لا أذكر وقتها أن هناك من لم يبارك ما حصل أو من لم يكن سعيدا بذلك، ليس لسذاجتنا ولا لغبائنا، بل لأن ما حصل فعلا كان من المستحيلات التي لم تكن حتى تتراءى لنا في أحلامنا، فأن يتغير رئيس عربي في تلك الفترة كان وكأنك تقول إن الماء امتزج بالزيت أو أنك تكسر مسلمة من المسلمات العقلية التي لانقاش فيها، ولأن شعورنا ولا شعورنا الجمعي على حد سواء كان قد بُرْمِج منذ فترة بعيدة على أن القيامة ستأتي ونحن ما زلنا تحت سلطة هؤلاء.

ما أردت أن أقوله هو التالي:  بالرغم من أن كل ما حصل أضحى كأن لم يكن، إلا أنه كان لا بد من ذلك، فقد كان لا بد لنا أن نعي هذا الواقع فعلا لا كما أرادوه هم،  عبر خرافات وأساطير لُقِنت لنا منذ صبانا، لأنه حتى إن اتضح فيما بعد أن ما طمحت فيه هذه الشعوب كان سرابا فقط، إلا أن تلك الأحداث  علمتنا الكثير، علمتنا أن مصيرنا لم يكن يوما بأيدينا، رغم ما دفعه أجدادنا في سبيل هذه الكلمة «حق تقرير المصير»، إلا أننا لم نكن يوما نملك سلطة حتى في أبسط  قراراتنا  فما بالك بواقع سَيُكْتب غدا تاريخ.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد