إلى حد الآن لم نعرف كيف نعبر عن واقعنا الحالي وعن المساوئ التي أصابته، بل لم نفهم ما يحدث تحديدًا نظرًا لكثرة وتسارع الأحداث والتغييرات من حولنا على جميع المستويات لذلك فشلنا في تشخيص واقع الحال، وأسوأ ما في الأمور بوجه عام أنه لم يعد هناك من لديه الجرءة في الادعاء بأن لديه الحلول ومناهج تغيير جديدة، طبعًا عدم توفر أشخاص جديرين في الوقت الحالي لا يعني أبدًا عدم توفر الحلول، لكنه ولحكمة إلهية كتب على الكون أن يمر بمثل هذه الفترات، هذا التفسير المنطقي الوحيد الذي أجده وألجأ إليه دائمًا.

سنة أخرى مرت بكوارثها وعثراتها، ولا جديد غير البأس، اجلس ساعة واحدة في شوارع أي مدينة عربية مكتظة وسترى هذا بقلبك وعينيك، حتى بأنفك تستطيع أن تشم رائحته، لم نعد نرى أملًا في الشباب، أصلًا لم يعد يعترضك شباب في الشارع، أشكالهم غريبة، لا هم كهول ولا هم أطفال، لا هم شيوخ، ولا هم شباب، لا أدري تحت أي تصنيف يندرجون. مزيج من التصرفات الصبيانية مختلط بمنظر الشيوخ من شدة اليأس والكآبة، لا يكفيك هذا، المشهد أكثر من مقرف، تشابه غير طبيعي بالمرة، حتى المتخلفين والمتسولين يشبهون بعضهم البعض، الموضة، موضة النساء والرجال متشابهة لدرجة تثير الغثيان، التعري، الميوعة، لقد طغى عليهم مفهوم الحريات الشخصية على المفهوم الأخلاقي ومفهوم الهندام والمنظر اللائق.

هل كنت تتصور بأنه سيأتي يوم ترى فيه رجلًا شعره أخضر؟ الفن، الثقافة، التمثيل، الفكاهة، الإعلام، البلاتوهات، يقابلها بالضبط التفاهة والفقر المعلوماتي والإبداعي، تفتقر للخبرات والجديين، كلام بذيء في التلفاز على مسمع الجميع، تعري في المسرح على عين المكان. إن هذا الجيل أهلك الكون، وأفقدنا متعة الحياة والحياء! شرائح إلكترونية متجولة، تعمل ولا تعمل، تتأثر ولا تؤثر، تستهلك ولا تستهلك بضم التاء! سوف لن ألوح بنسب أو إحصائيات، أظن أن الفئة المقصودة واضحة.

لقد ولى زمان أبي وأبيك، زمان الأيقونات، زمن الأخلاق، فترة التنوير لو كان يراه البعض عصر الجاهلية، للأسف لم نحصد جيلًا متفوق حتى بعد التطور والتقدم وعصر الإنترنت والهواتف الذكية، في الأصل لسنا نحن من تطورنا أو خلقنا التطور، نحن استقبلنا التطور على فراش الموت، أسوأ ما في الأمر أن يأتي الشيء المناسب في الوقت غير المناسب، أو الشيء غير المناسب في الوقت المناسب ريما أصح، نحن لم نهيء جيلًا لمثل هذه الأمور، لذلك وصلنا التطور في أسوأ حلته، بلا نفع، كسجادة صلاة في بيت رجل ميت!

أصل المشكل الآن هو التعود، للأسف تعودنا، كنا لا نطيق وتعودنا وأصبحنا نطيق، فقدنا مشاعرنا تجاه ما حولنا، لو كنا نتأثر لانفجرنا، حتى لو تم تغيير أربع حكومات في اليوم، لا يوجد برامج واضحة للشباب، لا تأطير ولا دمج، لا الحكومات تقبل فكرة إدماج الشباب في الأعمال الريادية، ولا الشباب يتقبل فكرة انخراطه في الحياة الاجتماعية والسياسية ووعيه بالوضع العام!

مسير ولست مخير «لا يوجد في الهم ما تختار» أحزاب سياسية عادية صنفوها تحت لائحة الإرهاب، جمعيات خيرية أعدموها رميًا بالكلام، أحزاب يسارية متطرفة لمعوا صورتها على أحسن ما يرام، لا يزال مسؤولونا ينظرون للشباب على أنهم مجموعة من الأشخاص يصلحون فقط للشكليات، ولملء القاعات والملاعب، والنشاطات التي تقوم بها الحكومة كجولات الوزراء والرؤساء، حتى القوى التي يمكنها التأثير في المجتمع العربي تعاني، النخب المثقفة غائبة، والأحزاب عاجزة عن اقتراح البديل. على كل حال نحن نستقبل سنة إدارية جديدة وككل مناسبة سترى الأغبياء يعيدون ما فعلوه السنة الماضية، نحن لا نتغير بمرور الأعوام ولا بعددها، الأعوام لا تفعل شيئًا سوى أنها تعري حقيقتنا أكثر وأكثر.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات