إن حدثتك اليوم عن فيديو كليب يحوي موديل ترتدي حجابًا، الفتى والفتاة يرتديان خاتمي خطبة، يجولان الشوارع دون أن يمسك أحدهما بيد الآخر، وسط استنكارٍ شديدٍ من المارّة في هذه الشوارع؛ إذ كيف يسيران معًا هكذا! بالرغم من كونهما مخطوبين، لو حدثتك عن هذا المشهد ورغبت أن تحدد لي زمانًا حدث فيه، لربما أخبرتني أنه في العصور الوسطى، إذ إن ما تراه اليوم ضمن هذا النوع من الصناعة يختلف تمامًا عما رويته لك، بل إن ما تراه في الشوارع الحقيقية قد جاوز هذه المفاهيم بمئات السنين الضوئية متجهًا ناحية العُهر أكثر منه ناحية المشاعر أصلًا؛ أعني أن الاختلاف يكاد يكون جذريًّا.

لكن دعني أخبرك أن تصوير هذا الشئ قد حدث بالفعل، ومنذ عشرة سنوات فقط. أعتقد أنه لابد لك أن تندهش، بل وتصاب بالذعر. من كان يتخيل ما آلت إليه الأمور اليوم! من شدة التغيير – أحيانًا – وجذريَّته نكاد ننسى ما كانت عليه الأمور في السابق، لذا دعني أذكرك أن ما تراه على شاشات التلفاز العربية اليوم ولا يرمشُ لكَ جفنٌ، كان محض إباحية تصل إليها متستِّرًا عن الجميع منذ عشر سنوات.

فعلى سبيل المثال: إن المخدرات والحشيش، وما إلى ذلك، كان يومًا ما – ليس ببعيدٍ – مجرد دعابة نطلق لها الضحكات فحسب، ثم أصبحت اليوم واقعًا، تمامًا كما ذكرناه في دعاباتنا؛ وكأن الهدف الحقيقي وراء هذه الدعابات هو تحقيقها بالفعل.

في الواقع إن كل ما نحنُ – العرب – فيه من انحدارٍ ثقافيّ وأخلاقيّ وفنيّ كان يومًا ما نكتة. أعتقد أن الأمر يستحق التفكير في مصدر هذه النكات حقًا! الأمر يشبه قضية مدرسة المشاغبين، المسرحية التي تعرض المعلمين – الأفاضل حينها – في مواقف تجبرك على الحط من شأنهم والسخرية منهم، وتوهمك أن الكوميديا هي الهدف منها فحسب. أو مسرحية العيال كبرت التي تضعك على أول طريق عقوق الوالدين في إطارٍ كوميديٍ يجعل تمريرها للجمهور سلسًا ومرغوبًا، أيضًا وكأن الضحك هو الغاية الأولى والأخيرة لها. كان يصعب وقتها أن تفترض مثل هذا الفرض سيئ النية، لكن وبعد أن رأينا ما نتج عن هذا النوع من التسويق، وهو تحقيق ما تم عرضه بحذافيره، بل أسوأ، لا يسعنا سوى التفكير في كونها خطط مرسومة بمنتهى الدقة، أو على أحسن تقديرٍ -وبعيدًا عن نظرية المؤامرة – أنها نجحت إلى مدىً أبعد بكثير مما طمح إليه أصحابها، وأنهم مجرد أشخاص نواياهم حسنة لكنهم عديمي المسئولية.

لعلنا نلاحظ سويًا أن أول الطريق –وآخره– لنشر أيٍّ من السلوكيات التي تظهر في البداية شاذة هو الفن، الذي سرعان ما يحولها إلى حياة يومية بمنتهى البساطة والعفوية، كما يخيل إليك.

والأمر ليس أن مسار التغيير يوافق هوانًا أم لا، بل إن الخطورة كلها تكمن في فكرة التغيير نفسه، ومدى سرعته وانتشاره، ووجهته المجهولة كليًا، بل غياب الدور الحيوي الجذاب لأحزاب المعارضة لأي سلوك جديد، إنه حقًا يصعب على المرء توقع الخطوة المقبلة في هذا المسار، والدوافع من ورائها، التي سوف تسمح لنا بالفهم والتوقع أكثر .

أهي ثورة فكرية على المجتمع العربي بموروثاته ومعتقداته وقيمه؟ وإن كان، فما ملامح هذه الثورة؟ وما مطامحها؟ من قائدها ومن جيشها؟ هل نريد أن نصبح أمريكا مثلًا؟ هل نضع نصب أعيننا مثالًا بعينه نسعى لبلوغه؟  أم أنه مجرد تغيير وتنوير؟ وإن كان أيضًا، فهل هو عفويٌّ أم مسيرٌ؟ وإلى أين يتجه؟

هذه بالتأكيد أسئلة لا إجابة لها؛ إذ أننا لسنا بصدد ثورة، وإنما نحن عُماةُ أبصارٍ نتخبط في أعمدةِ الإنارةِ ليلًا ولا نجد سبيل المنزل، إنها الفوضى –عزيزي القارئ- .

وما الفوضى إلا ثورةٌ؛ إنما مبتورة وغير مدروسة، إن الثورة لابد لها من قائد، وخطة، ووِجهة محددة، وليس فقط أن الوضع الراهن لايستهويك فتقرر بين ليلةٍ وضُحاها أن تثور عليه. عليك أولًا أن تسأل نفسك : مِن و إلى أين؟ عندما تهدم، فما الذي ستبنيه في المقابل؟ لا أتحدث هنا عن الثورات السياسية، التي هي –في نظري– أقل أنواع الثورات خطورةً وتأثيرًا، إنما عن الثورات الفكرية، التي تجعل المجتمع يأخذ شكلًا مخالفًا تمامًا لما كان عليه.

ربما هي الفوضى بالنسبة لنا كما عرضنا منذ قليل، لكنها ليست الفوضى –أبدًا– بالنسبة لصانعي هذا المسار، سواء كانوا رواد صناعة الفن والتسويق في العالم العربي، أو قاصري الفكر أصحاب المال والنفوذ؛ الذين بهرتهم تجربة بعينها فأرادوا إقحامها في مجتمعاتنا من دون تأهيل أو دراسة، محركي الدُّمى في هذا العرض المسرحيّ، الذي أَجبَرَنا انعدام الوعي لدينا على المشاركة فيه، فَـ لِكيْ تحدثَ تغييرًا ما في صفوف الجماهير أنت بحاجة إلى وسيلة للإقناع، ووسيلة للتمرير؛ مما يجعل الجريمة مع سبق الإصرار والترصُّد، فأما وسيلة الإقناع فهي استخدام شخصيات عامة –أو صناعتها من الأساس– ثم بعد أن تصبح ذات شعبية تبدأ في استخدامها على النحو الممتاز، وصياغة جيدة لهذا التغيير الذي ستعرضه على ألسنتهم. وأما وسيلة التمرير فهي قطعًا الإعلام بوسائله المتنوعة، الذي انضمت إليه مؤخرًا مواقع التواصل الاجتماعي، فتقوم بحملة تسويقية متكاملة لعرض هذا التغيير إلى أن يتحقق.

أرى في النهاية أن كل مظاهر التغيير والحرية غير المدروسة هذه، إنما هي محض أوهام نستشعرُ بها سيطرتنا على زمام حياتنا بينما الأمر لا يتعدى كوننا عديمي الوعي والمسئولية، عديمي الهدف والهوية، عديمي الوطن والانتماء. وكما قال غوستاف لو بون Gustave Le Bon في كتابه سيكولوجية الجماهير 1895م: إن التقليص التدريجي لكل الحريات لدى بعض الشعوب يبدو أنه ناتج عن شيخوختها بقدر ما هو ناتج عن النظام السياسي. نقول ذلك على الرغم من مظاهر التحلل و الإباحية التي قد توهم هذه الشعوب بامتلاك الحرية، و هذا التقليص يشكل أحد الأعراض المنذرة بمجيء مرحلة الانحطاط، التي لم تستطع أي حضارة في العالم أن تنجو منها حتى الآن.

ربما علينا أن نقلق بحق.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد