توطئة

تميز التاريخ البشري عبر عصوره الماضية إلى عصرنا الحالي بالتأثير والتأثر، وقد شملت هذه الثنائية كل مناحي الحياة الاجتماعية، والاقتصادية، والسياسية، وهذا مما أفرز تراكمًا إنسانيًا ساهم في تطور منجزات البشرية، وحيث إنه لا توجد أمة سلمت من هذه الثنائية، فإن الأمة الإسلامية واحدة من تلك الكيانات التي مثلت حلقة مهمة من حلقات البشرية، أخذت من الأمم التي سبقتها، أو التي عاصرتها، وقدمت لأمم عصرها، ولاحقاتها، وسنحاول أن نبحث قليلًا في أحوال شمال أفريقيا قبل الفتح الإسلامي، والتطورات الثقافية التي حصلت نتيجة هذا الفتح، ثم سنتطرق إلى مسألة التزاوج اللغوي بين العربية والأمازيغية – من خلال اللهجة – بصفتهما لغتين من لغات المسلمين عبر العالم، لنكشف مدى جدية اللغة ككائن حي في بث روح الوحدة، ونختم ببعض إسهامات الأمازيغ في خدمة اللغة العربية.

1- أحوال شمال أفريقيا قبل الفتح الإسلامي وفتح المسلمين له

تميز شمال أفريقيا في مرحلة ما قبل الفتح الإسلامي بحالة من الفوضى العارمة التي كانت تميز حال كل الإمبراطوريات التي تشارف على الانهيار، يقول الدكتور محمد علي الصلابي: كان حال الشمال الأفريقي يلفظ آخر أنفاسه السياسية، والاقتصادية، والدينية، والاجتماعية[1]، ومما يظهر من كلام الدكتور علي محمد الصلابي أن الحالة السياسية، والدينية، والاقتصادية في الشمال الإفريقي كانت قد وصلت إلى ما يرثى له؛ لأن الفساد قد عم هذه البلاد مما أنتج الضعف في شتى مناحي الحياة آنذاك، وفي ظل هذا الوضع استشرت ظواهر ساهمت وبشكل كبير في تدهور الوضع، وهذا كان دائمًا من أمارات الزوال زوال الحضارات، حيث كانت الفوضى، وظهرت القلاقل، والنعرات، حتى عمت الثورات، وضعف الإمبراطورية البيزنطية ساهمت في تأزيمه أوضاع اجتماعية تمثلت في ظهور مذهب مسيحي جديد؛ مذهب سيرجيوس بطريق قسطنطينية، وكان هذا من الأخطار الكبيرة بسبب معارضة كنيسة أفريقية لأن هذا الصراع نتج عنه اتباع وتعاطف الناس، وانتهى بأن قالت أسقفية قرطاجنة بعدم مشروعية الامبراطور، وهذا في حد ذاته بداية انهيار لأن الناس كانت قد فقدت الثقة في رمز من رموز الدولة.

يقول الأستاذ علي محمد الصلابي في موضع آخر: كانت هذه حالة المسيحية في الشمال الإفريقي قبل ظهور الإسلام، مذاهب منشقة، وفساد إداري، وعدم نظام، وإشاعة الرشوة، وتسلط الرومان، وانقسامات البربر؛ مما كان مهدًا خصبًا لانتشار الإسلام، ونموه كدين فيه خير للدنيا والآخرة [2] إن هذه الأوضاع التي عاشتها منطقة الشمال الأفريقي قد كان نتيجة ما عانته المنطقة من الويلات الاجتماعية، والسياسية، والدينية أججت نار الأوضاع، وبذلك أصبح الناس في أمس الحاجة إلى ما يخلصهم مما هم فيه، حيث كانت القابلية لاتباع الإسلام كبيرة لأن هذا الدين حرر الناس من قيود العبودية بكل أنواعها، وحرم كل ما يمكن أن يسيئ إلى الإنسان بصفة عامة.

ولأن الإنسان بطبعه يحب كل ما يمكن أن يضمن له حقوقه في الحياة، والعيش الكريم وجد الناس في الإسلام المنهج الصحيح مع الفتح الإسلامي، لأن الإسلام تجاوز كل الوسائل البدائية في التوجيه ( من حرب، وعدوان، واستقواء…) فقد خير الناس ما بين اتباعه، أو البقاء على دينهم مع الجزية، فلم يحارب المسلمين إلا محاربيهم حتى تكون سنة في الناس، وألا تحسب على الإسلام أنه دين الإجبار، فقد وضع الرسول الأكرم صلى الله عليه وسلم استراتيجية تقوم على عدم الاعتداء حتى على الشجر.

إن فتح المسلمين لبلاد الشام، ومصر قد أعطى أملًا كبيرًا لسكان ليبيا آنذاك في الفتح الإسلامي؛ للتخلص من الحكم البيزنطي الجائر الذي أتى على حقوقهم في الحياة العامة، حيث إن هناك من هرب إلى بلاد مصر وأعلن الإسلام في عهد الخليفة عمر بن الخطاب، وبقيادة الفاتح عمرو بن العاص.

وبعد استقرار الشؤون في بلاد الشام ومصر ارتأى القائد عمرو بن العاص أن يفتح بلاد برقة، وبالفعل تم ذلك حيث يقول الدكتور صالح مصطفى مفتاح: فلما انتهى عمرو بن العاص رضي الله عنه من فتح الإسكندرية، وتنظيم أمورها، سار بجيوشه إلى مدينة برقة، ثم أصبح جيشه بعد أن وصلته الإمدادات لا يتعدى 12 ألفًا… وقد ساعدهم على ذلك ما عرفه الجند المسلمون في عصرهم الأول من بساطة في التجهيز للحرب، والتزود لها، وخبرة بفنون القتال في الصحراء[3]، ومما أوردناه سلفًا نستشف أن فتح المسلمين لبلاد ليبيا لم يعتمد أبدًا على كثرة عدد الجند، وإنما على حنكة الجنود المسلمين، وإيمانهم القوي بالرسالة التي يدافعون عنها، لأنهم كانوا يقاتلون لرفع الظلم عن سكان المنطقة.

وبعد فتح برقة، اتجه جيش المسلمين نحو المناطق الداخلية لأن أغلبية الناس قد دخلوا في الإسلام اختيارًا؛ مما وفر على الجنود المسلمين جهد القتال، وقد كان لــعقبة بن نافع الفهري دور كبير بفضل قيادته لمجموعة من الفتوحات بعدها، وكذلك فقد فتح الله على الناس بفتح طرابلس بعد حصار دام حوالي الشهر، وتابع المسلمون فتوحاتهم بقيادة القائد عقبة حتى عام 84 هجرية.

إن دخول الإسلام والعربية إلى شمال أفريقيا، قد أعطى فرصة كبيرة لسكان المنطقة للتخلص مما كانوا يعانونه من ويلات الاستغلال البيزنطي، والروماني، والمشاكل التي كانوا يعانونها على كل المستويات، وكذلك فإن هذا مثل فرصة للتلاقح بين المكون الحضاري العربي الإسلامي، والأمازيغي، وسنأخذ بالدراسة نماذج تمثل أوجه التعايش بين العربية والأمازيغية في شمال أفريقيا فيما يأتي.

2- التعايش الثقافي اللغوي في شمال أفريقيا

من المعلوم أن سكان المنطقة بعد الفتح إلى يومنا هذا توحدوا ثقافيًا لدرجة كبيرة، ومما يظهر ذلك طرائق العيش المشتركة من احتفالات في الأعراس، والموائد، والدفن، والأزياء…بحيث ينعدم في جل المناطق الاختلاف، مثلًا في المغرب لا يكاد يجزم السامع أن هذا احتفال أمازيغي إن لم يكن يعرف، هذا من جهة، أما من الناحية اللغوية فالاندماج يظهر بشكل أقوى.

لقد شهدت منطقة شمال أفريقيا اندماجًا ثقافيًا، ولغويا هائلًا بين الأمازيغ والعرب، حيث تحققت مسألة التأثير والتأثر بشكل كبير، فقد تأثر العرب والعربية، وكذلك الشأن للأمازيغ والأمازيغية، وتمثل ذلك بشكل كبير في اللهجات في هذه المنطقة، فمثلًا ظهرت مجموعة من المصطلحات الأمازيغية التي أصبحت تستعمل في اللهجات العربية دون أن تشكل مشكلًا معجميًا، وتؤثر على المعنى المعجمي بتعبير آخر، نأخذ على سبيل المثال، لا الحصر، مصطلحات من قبيل (البَادُو ومعناه الحد الفاصل بين حقل وآخر، وكذلك إِغْنَانْ ومعناها الويل…) وهذا من الجانب المعجمي.

أما من الجانب التركيبي فاللغتان وصلتا إلى مستوًى كبير من التلاقح بحيث إننا إذا أخذنا جملة من الأمازيغية (يَنْغَايِّي أَصْمَاظْ ⵢⴰⵏⵖⴰⵢⵢ ⴰⵚⵎⴰⵟ) والتي تعني في العربية حرفيًا (قَتَلَنِي البردُ)، لكن المعلوم أن هذا المعنى غريب في اللهجات العربية، وهو معنى أصلي في الأمازيغية، إلا أننا نجد في الجوهر جوهرة التلاقح؛ لأن الجملة التي ذكرناها بُنِيت على الترتيب التالي (فعل، مفعول به، فاعل) وهذه من الرتب التي تعتمد في العربية حينما يتقدم المفعول به على الفاعل إذا ورد الأول ضميرًا، والحاصل أن التركيب المذكور بني بتركيب عربي ومعجم أمازيغي وهذا وجه من الأوجه العديدة للتلاقح بين اللغتين، وهذا إن دل على شيء، فإنما يدل على أن اللغة في شمال أفريقيا وصلت مرحلة النضج اللغوي، وكأنها تنادي أن الناس في شمال أفريقيا مكون واحد، فكان المجيب طبعًا لأنه برز العديد من علماء اللغة الأمازيغ الذين قدموا للعربية خدمات جليلة أمثال ابن آجروم الصنهاجي (قبائل صنهاجة) صاحب كتاب الآجرومية، وأبو إسحاق الإجدابي الطرابلسي صاحب الكتاب اللغوي (كفاية المتحفظ ونهاية المتلفظ)، ويحيى الزواوي صاحب العديد من المؤلفات من أهمها (الدرر الألفية)، وهو منظومة نحوية، وهذا على سبيل المثال فقط.

حاصل قولنا من كل ما أوردناه سابقًا أن اللغة العربية في الشمال الأفريقي لم تكن يومًا لغة دخيلة، بل كانت لغة الدار لارتباطها بالإسلام الذي استقبله سكان المنطقة بصدر رحب نظرًا للمعاناة التي كان يعانيها سكان الشمال الأفريقي، فأضحت اللغة العربية بعد ذلك لغة التخاطب اليومي بين الناس في كثير من المجالات، تعيش جنبًا إلى جنب مع الأمازيغية، فلم يمثل ذلك عائقًا أمام الناس في سبل العيش، حيث أقامت اللغتان ما أقام الإسلام في هذه البلاد.

وقد لعب الإسلام والعربية بدخولهما إلى هذه المنطقة دورًا أساسيًا في الدفع بعجلة التطور والتحول الثقافي، والاقتصادي؛ لما كان يمثله هذا الدين من قيم إنسانية جليلة تمثلت في تحرير الإنسان في شمال القارة من عبودية البيزنطيين، والرومان.

ومن خلال ما ذكرناه يتضح جليًا أن الفتح الإسلامي جاء نتيجة رغبة ملحة من الناس في المنطلقة حيث عانوا الويلات، فكان الإسلام بهم رحيمًا.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

المصادر

[1] الفتح الإسلامي في الشمال الإفريقي، د محمد علي الصلابي، مؤسسة اقرأ للنشر و التوزيع و الترجمة، ط1، 2008، ص 61.
[2] تاريخ المغرب العربي، ص 154 ( نقلا عن الفتح الإسلامي في الشمال الإفريقي ).
[3] ليبيا منذ الفتح العربي حتى انتقال الخلافة الفاطمية إلى مصر، صالح مصطفى مفتاح، مطبوعات الشركة العامة للنشر والتوزيع والإعلان- طرابلس- ليبيا. الطبعة 1، 1978، ص 29.
عرض التعليقات
تحميل المزيد