تناقضات الهامش والمتن في الواقع العربي

يتساءل كثيرون حتى إن لم يكن علنًا ففي دواخلهم عن أقصى درجات اليأس التي يمكن أن يبلغها المواطن العربي، وهو يشاهد هذه التقلبات السريعة التي تحدث داخل وطنه، تقلبات لم تعد مفهومة ولا منطقية، وفي كثير من الأحيان مفاجئة وصادمة، ومخالفة لسير الأحداث، ولطالما خرقت أفق متوقعيها، فلم تعد القراءات والتوقعات تنفع، لأن الصراع، بل الأساس لم يعد صراعًا قويًا معروفة للعيان، بل أصبح صراع قوى مقنعة ومجهولة عند كثير من العامة، والدليل على ذلك ارتفاع نسبة العنف داخل المجتمع العربي بجميع أشكاله وطرقه، والأخطر من ذلك تعدد مصادره وخلفياته الفكرية والأيديولوجية، إذ لم يعد حكرًا على قوة دون أخرى، وتجاوزت آلياته القبعة والرشاش لنجده متفشيًا بصفة شنيعة داخل الأوساط المختلفة التي يتشكل منها النسيج الاجتماعي.

العنف هو أقصى درجات اليأس، وهو أكثر رد فعل بربري في تاريخ الإنسانية، وهو وسيلة عديمي الحجة وأصحاب الأفكار الساذجة وغير المقنعة، وأكثر ما يهدد الأمم ويدفع بها نحو الانهيار هو تجييش العنف، ومحاولة تبريره وتشريعيه، وهو طريق يسلكه الكثير لمصادرة حق خصومهم في التعبير عن آراءهم وتضييق مساحة المبادرة عندهم، وجعلهم يتكلمون بلسانهم وما يناسبهم، ولذلك تحولت الكلمة اليوم أكبر خطر على الظلم والغطرسة والطغيان ليس السياسي فقط، بل حتى الاجتماعي، فأخطر الديكتاتوريات اليوم ما يطلق عليه بدكتاتورية الأقليات؛ فكريا ،وثقافيا، وحتى عرقيا، إذ نجد اليوم كثيرًا من وجهات النظر التي لا تحظى إلا بموافقة القليل القليل تحاول بسط سيطرتها وتوجيه الرأي العام لتحصل على إجماع وهمي على مشاريعها التي لا تقدم للأمة شيئًا يذكر، سوى أنها تحاول تحقيق طموحات ذاتية لأشخاص هامشيين عديمي الكفاءة والمكانة غير قادرين على إثبات وجودهم داخل المجموعات الاجتماعية. الغريب من كل هذا أن الكثير منهم اليوم نجح في مهمته في استغفال الناس، وبلغ مكانة لا يستحقها، بل أصبح يظن نفسه لسان حال الناس في حين أنه ليس سوى لسان حال نفسه وطموحاته المضمرة التي لو كشفها لنبذته العامة إلى مكانه الأصلي.

ولهؤلاء الناس علاقة وطيدة بحالة العنف والهستيريا التي سيطرت على الناس في السنوات الأخيرة، وأغلبهم ممن يحاولون في كل مناسبة تبريره، وزرع الانقسامات بين أفراد الأمة الواحدة، فالفوضى هي المناخ المناسب لهؤلاء، والحالة الطبيعية التي يمكن من خلالها أن يحققوا أغراضهم الذاتية المنشودة وغير السوية، والتي من المستحيل أن يبلغوها داخل المجتمعات المتعافية سياسيا وثقافيا. حيث لا مكان للبدائل الفارغة المحتوى التي تستبله الناس وتضحك على ذقونهم مستغلة نفسياتهم المرهقة من أوضاعهم التي لا تحتمل.

ولعل ما يدعم هذا الرأي هو أنه حين كانت الحياة تسير وفق تتابع منطقي، كان لكل مكانه الذي لا يغيره، كان هناك أصل وفرع وثانوي لا فائدة منه، وكان على الفرع حتى يصبح أصلًا أن يقطع أشواطًا طويلة، حتى يحصل على الإجازة والموافقة، سيقول الكثير من يمنحه ذلك، أولًا التاريخ وثانيًا العلم والثقافة، أما إذا باءت محاولاته بالفشل فسينتهي بانتهاء أسباب وجوده وسيندثر مع تعاقب الأزمنة، على الكثيرين اليوم ممن يدعون التأثير على المجتمعات أن يدركوا أنهم ليسوا سوى موضة عابرة، وليسوا سوى قشور منحت مكانة لا تستحقها، في وقت همش فيه اللب وأبعد عن المشهد، فادعاء أن لكل زمنه وآليات ومقوماته وقيمته في عصره ليست سوى مسكنات يتعاطها الكثيرون ليبرروا الانحطاط الذي وصلت له الإنسانية، وهذا ما تنبأ له أفلاطون منذ زمن بعيد.

أول مثقف سلطة في التاريخ، آمن أن البدائل الهامشية إن صح وصفها بذلك لا يمكن أن تصبح ثقافة رسمية مهما حاولت لأن المبادئ التي وضعت عليها خاطئة وبعيدة كل البعد عما يمكنه تقديم إضافة للإنسانية، لهذا وجب اليوم على أصحاب الرؤى والأفكار الناضجة أن يخرجوا للعالم وأن ينزعوا عنهم جبة الانطوائية والعزلة، وأن يثبتوا للعالم أن كل من نصب لنفسه خيمة كخيمة النابغة في هذا العصر ليس سوى دجال مفتري يشوه الحقيقة ويميع القضايا الإنسانية، وليس سوى سفسطائي تافه على حد تعبير أفلاطون، ولهذا نذر عمره في محاربة كل فكر أجوف وساذج يحاول أن يسد الفراغ الذي تركه أهل الاختصاص والمعارف لأسباب كثيرة خارجة عن نطاقهم.

قد لا تنطبق المقارنة تماما فالسفسطائيون أصحاب أفكار وإن لم يقنعوا أفلاطون لأسباب أخرى، إلا أن محل الشاهد هنا ما نراه من مدعي التأثير في الحاضر. الذين يعتقدون أنهم زعزعوا اليقينيات وطعنوا في المسلمات وبلغوا القمر بمجرد تدوينه على مواقع التواصل الاجتماعي. كثيرًا وغالبًا أنها سرقت ألف مرة من ألف شخص واستنسخت ونسخت حتى سئم من قراءتها المتفاعلون. والنتيجة عادة: أن الجعجعة تبلغ مسامع الجميع، في حين الطحين لا يراه أو بالأحرى لا يتوهمه إلا هؤلاء المتثاقفون والمتهافتون على النخبة الذين لن تجد لهم حتى صفة أو فئة تنسبهم إليها.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد