في الحين الذي نرى فيه الدول الغربية تسعى من تقدم إلى آخر في جميع المجالات الحياتية، نرى أن المجتمعات العربية لا تزال في ركودها التام بل يمكننا القول أنها تنحدر لأسفل. حينما ننظر إلى المجتمعات العربية نظرة عامة نجد أن المشكلة الرئيسية عند الفرد العربي هي استعباده لنفسه، فالسمة الغالبة في مجتعنا هي تخلي الفرد على حريته وفرديته بالإذعان والتبعية في المجالات الاجتماعية والسياسية والدينية.

سأحكي لك تجربة قرأت عنها ذات مرة، نظرية صغيرة وهي أن تحضر خمسة قرود وتضعهم في قفص في منتصفه حزمة موز وتحت حزمة الموز سُلَّم. تقول النظرية أن بعد مدة قصيرة ستجد أحد القرود يتسلق السلم للحصول على الموز، عندما يحاول القرد لمس الموز ستطلق رشاش مياه بارد على القردة الأربعة في الأسفل لإرعابهم، بعد قليل سيحاول قرد آخر تسلق السلم، عندها تطلق رشاش المياة مرة أخرى، وهكذا تكرر العملية كلما حاول أحدهم التسلق، بعد فترة ستجد أنه كلما حاول أحدهم التسلق يهرع القردة الأربعة لضربه ومنعه من الصعود خوفًا من ألم الماء البارد. بعد هذا أخرج قردًا من الأربعة وضع مكانه آخر جديد لا يعلم شيئًا عن الماء البارد، ستجده بعد قليل يحاول تسلق السلم للحصول على الموز، عندها ستهرع القردة الأربعة لضربه خوفًا من الألم، سيندهش القرد الجديد لفعلتهم وسيحاول التسلق عدة مرات، وفي كل مرة سيتسابق القردة لضربه ومنعه، عندها سيكف القرد الجديد عن صعود هذا السلم ومعرفة أن هذا نتيجته الضرب لكنه لا يعرف السبب وراء العقاب. الآن أخرج قردًا آخر ممن عاصروا الماء البارد وأدخل واحدًا جديدًا مكانه، ستجده بعد قليل يحاول تسلق السلم والقردة الأربعة بما فيهم القرد الذي لم يعرف عن الماء البارد ستجدهم يمنعونه عن التسلق من الخوف، بعد تكرار العملية من قبل القرد الجديد سيستسلم. وهكذا تظل تغير القردة الأوائل بقردة جدد إلى أن يصبح كل القردة الذين في القفص لا يعرفون عن الماء البارد شيئًا، وستجدهم يهرعون لضرب أي أحد جديد يصعد على السلم، لماذا يفعلون هذا؟ هم لا يعرفون، لكنهم وجدوا سلفهم يفعلون هذا!

هذه النظرية على القرود الخمسة تصف مجتمعنا بدقة شديدة، مهما حاولنا التمدُّن ومواكبة الحضارة نجد أن الأصول الجاهلية تطغى علينا، يمكن القول أن نظرة مجتمعنا في الكثير من الأمور تتغلب فيها العادات والتقاليد على الدين، فلا يضع الفرد اعتبارًا للنص الديني أمام ما وجد آباءه عليه، أمام هذا اللاهوت الذي وضعه الأجداد وتنفذه الأجيال الجديدة بآلية دون محاولة النظر أو التغيير.

بالنظر إلى أي عيب في المجتمع لا بد أن ننظر مباشرة إلى نشأة الأفراد، فالتعليم وهو المكون الأساسي للفرد قائم على التلقين فقط وسلب الحرية من الطفل في تكوين وجهة نظر أو إلقاء سؤال تأملي، فتحول من وسيلة مساعدة لبناء المجتمع إلى وسيلة تساعد في إخماد فتيل السؤال وانطفاد الشعلة الأولى في الإنسان. موضوع التعليم فقط يمكن إفراد الكثير من المقالات له لأهميته الشديدة. هذا يوضح لنا من أين تأتي الأجيال مذعنة غير قادرة على الإبداع والخروج عن التابوهات المتوارثة، فالنشأة من البداية خاطئة وهذا ما يؤدي لتدهور الوعي المجتمعي بشكل عام، وأحد أسباب غياب الحس النقدي والإبداعي ما عدا بعض الحالات القليلة.

فعندما ننظر إلى الجانب الديني في الغرب ومحاولته التأقلم مع الحياة الحديثة نجد أننا في المقابل ما زلنا نعيش في القرون الجاهلية الأولى، فجاليليو تمت تبرئته والاعتذار له مليًا من قِبل الكنيسة التي أدانته في العصور الوسطى، بينما ابن رشد ما زال منفيًا والمعتزلة ما زالت فرقة ضالة والحلاج ما زال مصلوبًا، وما يلبث أحد المفكرين أن يهل علينا محاولًا تنقية الدين مما علق به من جمود وتحجر حتى تراهم يكفرونه ويلحدونه ويتهمونه بالزندقة، كما حدث مع نصر حامد أبو زيد على سبيل المثال. وما أحوجنا اليوم للانقلاب على التأويلات الحرفية للنص وإزالة حالة التقديس من النصوص التي تخالف العقل والتاريخ مما ورد في الصحاح وما تركه الفقهاء من اجتهاد لعصرهم كان حقيقًا بها أن تموت معهم لا أن نتخذها كأساس إلى اليوم ومنهج، بل أن هذا الكلام الذي يتناقض مع القرآن في كثيره كقضية تكريم المرأة في القرآن بذكر السيدة مريم وأم موسى وغيرهم ومحاولة حفظ حقوقها، وما يقابله من نصوص في التراث الإسلامي من إهانة شديدة لها، مما أدى هذا لبناء منظومة فاشلة قلبًا وقالبًا في الزواج، فما زال قطاع كبير من الناس يرون أن الزواج هو عقد ملك لحل التمتع بالمرأة كما عرفه الفقهاء الأولون،فأصبحت المرأة مجرد أداة لمتعة الرجل فقط،وهذه المشكلة. من سرطانات المجتمع.

وفي الجانب السياسي والاقتصادي أيضًا نجد أن الفرد العربي يحترف الخضوع والإذعان كأفضل ما يكون ، وقد تنوعت أشكال الحكومة العربية بين حكومات ثيوقراطية وبيروقراطية وحكومات تظهر الديموقراطية وتبطن أشر الوجوه، واتفقت جميعًا على محو الحرية الشخصية والفردية التي يتمتع بها الفرد، وما إن يحاول أي شخص أو جماعة أن تثور وتخرج عن سجنهم يكون مصيرهم هو السجن والاعتقال ليموت بالبطيء وربما لجئوا إلى الموت السريع، وتاريخ العرب في السياسة تغلب عليه الدموية والديكتاتورية حد إلغاء الآخر بشكل كامل، ومهما تغير النظام الاقتصادي – الذي في الغالب لا نستطيع تنفيذه بشكل جيد – يظل التسلط السياسي وتحجيم دور الفرد في المجتمع هو السمة السياسية على المجتمع العربي. وهذا التسلط السياسي ليس شيئًا حتميًا في الوجود، لكن المجتمعات العربية وإذعانها الدائم أورثها هذه الحالة من التبلد إزاء أي فعل قمعي. من بداية  القرون الأولى عندما قال عثمان: «لن أخلع ثوبًا ألبسنيه الله» وأصبحت الخلافة حقًا إلهيًّا وتم التجبر والفساد في الأرض بسبب هذا المفهوم الخاطئ، فمهموم الخلافة لم يكن مطروحًا وقت حياة النبي، ثم حدث الاختلاف بعد وفاته، لكن الخطأ الذي حدث من عثمان أنه اعتبر الخلافة أمرًا إلهيًّا وليس سياسيًّا دنيويًّا يتم بالشورى والاختيار، وهو ما سبب تجبر بني أمية من بعده، وما خالف التابوه في العصر الحديث من حق إلهي إلى أنه تفويض شعبي، أو خلافة ملكية متوارثة، والشعوب صامتة تخاف من التحرك خوفًا على حياتها وعلى حياة أسرتها. هذا الخوف المتوارث وتخلي الإنسان عن حريته هو آفة الشعوب العربية عمومًا.

أما عن الحل الوحيد للخروج من الظلام هو القراءة، القراءة الواعية الناقدة للفلسفة والأديان والعلوم والتاريخ والاقتصاد والسياسة، في شتى مجالات المعرفة الممكنة، فهذا سيساعد كثيرًا على تكسير الأصنام المتوارثة، فالقراءة هي الطريقة الأولى في تكوين الشخصية الفردية وخلق الرأي النقدي الذاتي واحترام الذات والآخر، فيمكنك تخيل أن مجتمعًا نصفه أو ربعه فقط على أقل تقدير قراء، يكفي هذا لكي ننتقل نقلة كبيرة للأمام. أما عن القارئ الحالي فإنه يشعر بالغربة داخل المجتمع، وكل مدى تتسع الهوة بينه وبين محيطه وقد يؤدي هذا الأمر لنتائج سلبية تجعله يتخلى عن تفرده ومحاولاته ودأبه للسعي للحرية، قد يصبح في النهاية مجرد قرد آخر يخاف من العقاب فيتوقف عن محاولته.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد