ينتفض القاشوش مرة أخرى ويحرق البوعزيزي نفسه مرة أخرى ويزهر ربيع آخر، وتخرج ثورات وثورات، ليصبح

الشارع العربي مرجلًا يغلي، زلزال يضرب أعماق استبداد متأصل حقيقته استمرارية الاستعمار، حشود تجوب الساحات حطمت جدار الخوف وهدمت صورة الحاكم المقدس.

إنه ليس ربيع بل زلزال عربي، إذ لابد من زلزال يقلب الواقع رأسًا على عقب، يغير المسار ويعيد بوصلة الشعوب إلى اتجاهها الصحيح.

دائمًا ما تبدأ الثورات في سبيل تحقيق مطالب شعبية بحته، هذه المطالب تشكل هموم ومعاناة وتعكس أهداف وتطلعات الشعب الذي ثار، لذا فهي تخلو من أي أطماع غير ثورية أو شعبية أو لنقل أنها عفوية نقية، لكنها لا تستمر على هذا الحال طويلًا حتى تبدأ تتشكل قيادات للثورة.

من هنا برأي تبدأ الثورة بفقدان مضمونها أو لنقل جوهرها والذي قامت به وعليه، أي عفويتها وصدقها الشعبي. عندما تفرز قيادة للثورة تبدأ مسارات عديدة بالتشكل وهي ما يلي:

أولًا: عندما يكون للثورة قيادة، تصبح الثورة رهينة وحبيسة رأي واعتقادات القادة أو يوجهونها حسب ما يرون من ظروف أو وقائع أو مفاوضات مع السلطة المثار عليها، وهذا ما يضعف الثورة، لأنه في اعتقادي أن عدم وجود قيادة يعني أن الشعب يبقى سيد الموقف وسيد القرار الأول في قبول أو رفض المفاوضات أو الأهداف المحققة، الشعب يكون قويًا أكثر عندما يكون بدون قيادة، لأنه شعب يبقى غير مؤطر وغير تابع لقيادة قد تنحرف بمصير ومسار الثورة بكلية. وقد تصبح القيادة متسلطة، وليست أفضل حال من السلطات الحاكمة فيقع الشعب بين نار السلطة من جهة ونار القيادة الثورية من جهة أخرى، إذ إن للمناصب فعلها بالإنسان.

ثانيًا: تدخل الأحزاب السياسية المعارضة ما هو إلا سرقة معلنة لثورة الشعوب، إذ يستحيل لحزب سياسي أو تيار دخول معترك سياسية حقيقي دون أطماع، والتي تجعل لأطماعها أهمية أكبر من مطالب الشعوب. أي بكلمات أخرى هي تسرق وتصادر بطريقة غير مباشرة أهداف الشعب من ثورته. الثورات التي تبقى بدون قيادات تبقى بيد الشعب، وليس بيد أحزاب تجرفها حسب تياراتها وتجاذباتها السياسية.

ثالثًا: طالما أن الثورة غير مقادة تبقى نظيفة من الأيديولوجيات وبعيدة عن تحجيمها بأفكار محددة أو شعارات محددة، وهذا هو جوهر الثورات الشعبية، إذ لا قيمة لها عندما تصبح مؤدلجة، أو لخدمة جهة معينة دون جهة أخرى، بل هي أفكار عامة اتفق عليها الشعب بإجماعه، بل هي من جمعت الشعب، وهي تشكل بذات الوقت فكر الشعب ووعيه، مهما كان هذا الوعي شكله ومستواه.

رابعًا: الثورات التي تقود ذاتها بذاتها أو بشعبها تبقى ثورات عصية على التفكيك، أرض غير قابلة على زراعة الأجندات فيها، يجعلها عصية على التدخلات الخارجية ويبعدها عن تجاذبات السياسة الإقليمية والعالمية، فهي تبقى شعبية غير مسيسة ولا تفرز قيادة سياسية التي من الممكن والوارد جدًا، كما حدث بالثورات العربية، أن تذهب بالثورة إلى مستنقع التجاذبات والصراعات السياسية المحيطة. وهذا ما يجعلها ورقة ورهينة الألعاب السياسية وصراعاتها وخاصة في العالم العربي، حيث لا تخلو دولة من تجاذبات وصراعات سياسية عقيمة، ولا تخلو من تبعية سياسية لدول عالمية أخرى.

خامسًا: الثورات الشعبية غير المقادة تبقى سليمة ومعافاة وبعيدة عن أفكار المثقفين، ففي العالم العربي لا ينخرط المثقف العربي في الثورات تمامًا أو يصبح ثائرًا حقيقيًا كما الشعب، بل يمارس هواية تسلط غير مباشر عليها، فهو غالبًا ما يسقط أفكاره على الثورة، يجعلها مهبط أفكاره وآرائه وعلى الثورة تلقيها وتلقفها. وهذا ما يضعفها، بل يحجمها، فالثورة الشعبية تبقى بأفكار الشعب ووعيه. وما يقال بأن الثورات بحاجة لمثقفين أعتقد أن هذا القول وفي هذا الوقت بالتحديد قلما يوجد مثقف يمثل الشعب ويحمل طموحاته وهمومه. وحقيقة دور المثقف يبقى خطيرًا على الثورات إذا بدأ بزرع أيديولوجية معينة أو رؤية معينة، ولابد من التذكير بأن المثقف العربي كثيرًا ما كان في زمن الربيع العربي خادمًا للسلطات المستبدة أو لتيارات واتجاهات معينة.

يقول العنوان الصريح مختصرًا الفكرة. الثورات تقود ولا تقاد فهي تمثل بأفكارها وأهدافها قيادة لكل الشعب بما فيه من سياسيين ومفكرين ومثقفين وأحزاب سياسية، يبدأ دور هؤلاء عندما تحقق الثورة أهدافها بإسقاط نظام ما أو تحقيق مطالب شعبية. يبدأ دورهم بإكمال رؤية الثورة ومفاهيمها على مدى أعمق في المجتمع بتطبيقها في قيادة التغيير الحقيقي الذي يعكس إرادة الشعوب الثائرة.

يجب أن تبقى الثورات سماء كل هؤلاء، ويجب أن تبقى أرض كل هؤلاء.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد