مثّل انتشار وسائل التواصل الاجتماعي ظاهرة اجتماعيّة مهمّة خلال السنوات الأخيرة، خلافًا لدورها البارز في ثورات الربيع العربي وتشارك الخبرات الثوريّة والسياسيّة والتواصل الحيوي خلال الثورات نفسها وما أدّت إليه من إسقاط نظم حكم استبداديّة بالفعل. وبعد الانقلابات الناعمة أو العسكريّة على هذه الثورات استمرّت ظاهرة وسائل التواصل الاجتماعي كجزءٍ بات جوهريًا من المجتمعات العربيّة، وإن أخذت منحنًى مختلفًا نوعًا ما يكشف عمقًا حقيقيًا لما تواجهه منظومات الدولة الحديثة عربيًا من تحديات خطيرة.

يمكننا – في ظل الواقع العربي الحالي – الحديث عن تخلخلٍ واهتراءٍ بالغ السوء لمفهوم العقد الاجتماعي الذي أتى به روسّو بعد الثورة الفرنسية كأساسٍ مهم لتشكّلات السلطة حوله كأساسٍ لحماية الملكيات الخاصّة مثلًا. ففي «دولةٍ» مثل مصر ما بعد الانقلاب على سبيل المثال يصير الحديث عن رعاية مصالح الأفراد الذين تنازلوا بإرادتهم الحرّة عن بعض حقوقهم الطبيعيّة مقابل حمايتهم وحماية أمنهم المجتمعي بكل صورهِ؛ نوعًا من العبث أو الجنون.

صدمني منذ أيامٍ مثلًا بعض نشطاء فيسبوك الذين شجبوا قيام بعض الأهالي في الشرقية إحدى محافظات دلتا مصر بربط امرأة تسرق الأطفال في عامود نور وتصويرها ونشرها عبر وسائل التواصل الاجتماعي كنوعٍ من النكايةِ والتهديد لمن يفعل هذا الفعل. وكان سبب رفضهم أن هذا يدل على غياب دولة القانون.

وبخلاف أن الانقلاب العسكري على الديمقراطيّة، وما تلاه من مواقفَ ضد أفرادٍ من الشعب المصري بسبب آراءٍ أو انتماءاتٍ حزبيّة قد أسقط منذ زمنٍ مفهوم دولة القانون؛ إلا أن مبعث دهشتي هو ما غاب عن بعض هؤلاء النشطاء من الظواهر الاجتماعيّة الأخرى والكثيرة التي تدل على شبحيّة نموذج الدولة وقيام مجتمع موازٍ يسد احتياجاتهِ بنفسهِ مستخدمًا في هذا التكنولوجيا أو مواقع التواصل الاجتماعي.

انتشرت منذ فترة أيضًا صورة شابة مصريّة شعثاء تنام تحت كوبري العباسيّة ولا يبدو عليها ما يبدو من مظاهر التشرد لمن اعتادوا التشرد سنواتٍ كثيرة. وعبر نشر صورها قام «النشطاء» بالوصول إلى أهلها ونشر قصتها التي تداولتها بعض المواقع الصحفيّة كذلك.

حوادث الخطف والاغتصاب التي انتشرت بشكلٍ متزايد خلال الشهور الأخيرة دون أي موقف حكومي أو رادع «قانوني» أدّت إلى عديد من الظواهر الاجتماعيّة البديلة. فبخلاف قضيّة تعليق سارقة الأطفال على عامود النور ومحاولة تنفيذ «رادع» اجتماعي، انتشر كذلك منذ فترة هذا التحذير من شابة مصريّة لفتاة تُدعى «آلاء». وكانت الشابة التي نشرت التحذير سمعت حديث سائق التاكسي الذي تركب معه في الهاتف وهو يخطط مع صديق له على خطف شابّة أخرى تُدعى «آلاء». نشرت الشابة تحذيرها لآلاء على فيسبوك الذي تشاركه النشطاء حتى وصل لآلاء، فمنعت جريمة كانت وشيكة الحدوث.

هناك صفحات كثيرة على فيسبوك مختصّة بنشر صور الأطفال المخطوفة ونشر هواتف أهاليهم، وكذلك التحذير من سارقات أطفال بنشر صورهم، خلافًا لصفحات المفقودين من غير الأطفال. وهي صفحات تقوم بدور «مؤسسي حكومي» في المقام الأول كان من واجب «الدولة» أن تقوم بهِ وترعاه.

لا يتوقف موضوع شبحيّة الدولة العربيّة على نظام حكم معيّن في بلدٍ محدد كمصر، وإنما يصل الأمر إلى كثيرٍ من الدول العربية في واقعنا الراهن. وهو ما تعكسه قضيّة كبرى مثل قضيّة حصار قطر. فتصرّف «دول» الحصار ضد قطر بمنطق شيخ القبيلة وتدخلاتهم في أدق دقائق السيادة السياسيّة لدولة على أرضها؛ يدّمر مفهوم الدولة الحديثة تمامًا. كذلك فإن الموقف العام الذي تتخذه هذه «الدول» ضد تيارات فكريّة وسياسيّة خرجت من طينة البلاد العربيّة وانتشرت عبرها، يدعو إلى إعادة النظر في شكل الدولة كمجموعة من مؤسسات الحكم ذات سيادة على أرضٍ محددة وأفرادٍ مُحددين، إذ تخطت حركة كل دولة من «دول» الحصار حدود سيادتها الخاصّة إلى محاولة تنفيذ أيديولوجيّا خاصّة ومحددة ضد مجتمعٍ أوسع وأكبر من اختصاصات سلطاتهم.

في ظل مثل هذه التمظهرات الاجتماعيّة والسياسيّة يجب علينا – وبشدة – إعادة النظر في الوضع الاجتماعي السياسي العربي الذي يضرب وبشدة شكل النموذج الحديث للدولة وهو ما سيؤثر بطبيعة الحال على الخريطة العربية السياسيّة ويغير مبادئها وشكلها، وهو ما يحدث فعليًا خاصّة بعد قضيّة تيران وصنافير التي انتقلت – بالقرار العسكري – من سيادة مصر إلى سيادة السعوديّة وما يمكن أن ينتج عن هذا من تغيراتٍ جوهرية سياسيّة واقتصاديّة واجتماعيّة.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد