تشكّل مواقع التواصل الاجتماعي منبرًا سهلًا لمتابعة حقيقة ما يعتقده الناس في بلاداننا وفي بلدان أخرى، ويمكن القول إنّ ما ينشر يعبر بالضرورة عن معتقد الناشر بصورة طبق الأصل عن محتوى لا وعيه، وبالتالي فإن قصة فيسبوك وقصة إنستجرام هي تعبير عن الذي يريده المرء ويرغبه ويشعر بأنّه يمثله.

بعد ثورات الربيع العربي -المفترى عليه- ظهرت حاجة ملحة عن الدول العميقة التي ناضلت للبقاء من خلال إعادة صياغة المواطن بصورة جديدة، يشكّل قدوة بديلة عن القدوات التي قامت بالثورات، فكان البلطجي -مع اختلاف المسميات باختلاف البلدان- بديلًا يسهل الوصول إليه وتسهل صياغته، وربما يستذكر بعض من يقرأ صورة ذلك البلطجي الذي يمتشق سكينًا ضخمة في مواجهة الثوار في بلد ما، وهو يعري الجزء العلوي من جسده في تقليد لواحد من ممثلي البلطجة المشهورين حينها.

ثم توالت الأمور في صياغة وصناعة السوبرمان العربي الجديد الذي لا يعنيه القانون، ولا يأخذ بعين الاعتبار لا دينًا ولا عرفًا، فهو القادر على فعل أي شيء وقتل من يريد بصورة أسهل من إشعال لفافة تبغ، وهو وفي لقضيته الشخصية فقط، بإمكانه أن يزني ويروّج للمخدرات ويجعل ذلك بديلًا للسعي الشريف، وهو خارج عن كلّ سيطرة تمامًا، ومعاركه فيها العنف المطلق والانحراف المطلق والمبالغة المطلقة، فلا تدري بعد أن تشاهد هذا الكم من البلطجية العرب في كل شارع لمَّ نحن تحت الاحتلال إلى الآن؟

وبما أنّ الحديث عن السوبرمان العربي، فلا بدّ من التعريج في عجالة على نظرية السوبرمان عند غيرنا، فنظرية السوبرمان الغربي عند نيتشه مثلًا تعني العرق النقي صاحب الرسالة وصاحب الحقّ المطلق في السيطرة على العالم؛ لأنّه يحمل رسالة الرجل الأبيض الذي يسود العالم بعدها بناءً على هذه النظرية، ويقسّم العالم بناء على ما يعتقده من قوة نظرية السوبرمان الغربي، يعني أنّ القوم قالوا بنظرية ثمّ طبقوها على غيرهم بالدماء والأشلاء والإقصاء والقتل والتهجير والإبادة والتطهير العرقي. وحتى وصل الأمر إلى إقامة دولة بناءً على هذه النظرية، تمثلت قديمًا في ألمانيا النازية، وهي اليوم في أمريكا بدرجة الاعتقاد نفسها، وربما زيادة.

فالفرق إذن أن السوبرمان الغربي تحوّل من نظرية الدماء البيضاء النقية، ورسالة الرجل الأبيض وحقّه في حكم العالم، إلى التنفيذ الفعلي الذي ذهب ثمنًا له ملايين الضحايا، وغدا العالم كله في خدمة السوبرمان الغربي رغمًا عنه، فكل المؤسسات الدولية عندما تصل إلى أفق مسدود في قضية ما يتدخل السوبرمان الغربي، ويفرض إرادته بالقوة المطلقة وغير المبررة، وفي النهاية يكون له ما يريد، أي أنّه وانطلاقًا من فوقيته النظرية التي يعتقدها يحكم الجزء الأكبر من العالم، ويتحكم في مقدرات كثيرة لا يدركها الوصف أو التوصيف، وهو يرى كما قال نيتشه في كتاباته أنّ من لا تنطبق عليه أوصاف الحضارات المنتجة يعتبر أعشابًا ضارة وإبادتها واجبة.

على النقيض من الاعتقاد الغربي حول السوبرمان، فإن السوبرمان العربي الحالي ليس إلا سكيرًا عربيدًا ليس له همٌّ إلا شهوته وما يرفدها من مواد وبشر، ولقد ساهم في صياغة السوبرمان العربي العديد من العوامل، أولها الحكم الديكتاتوري القائم على النفع لطائفة ما أو حزب ما، وباقي الشعب عليه أن يمارس قانون الغاب المتمثل في البقاء للأقوى الذي لا يعارض الحكم، فيكون تاجر المخدرات وقواد الدعارة من دعامات الحكم الشمولي؛ لأنّهما يخدمان الطغاة في تغييب الشعوب عن الوعي المؤدي لمطالبتها بحقوقها.

وربما كان أول سوبرمان على الطريقة العربية هو عبد الناصر الذي كان بدولته الهشة الممزقة عبارة عن نمر من ورق، بإنجازات من ورق، وخرافات تليق بألف ليلة وليلة، ولا زالت أرامله تترحم على عهده، وعهده لم يكن إلا تكريسًا للاستعمار والتبعية، وتعميق تجزئة الوطن الإسلامي العربي. ومن العوامل الأخرى التي كرّست ظهور السوبرمان العربي تغييب القدوات الصالحة من المجتمعات العربية، فالصالح يصوّر على أنّه ضعيف نفعي لا طاقة له بالحكم أو المسؤولية، والفهلوي البلطجي هو الجلد الثقة.

وهكذا صار الفنان المشخصاتي قدوة ينظر لها بعين التبجيل والاحترام، ويتمّ تقليدها في القول والفعل وتقليعات الملابس وغيرها، وساهم في ذلك ما يقوم به الإعلام المأجور في بلادنا؛ إذ إن جلّ البرامج تتحدث عن أعمال فلان وعلان من الفنانين، وتقليد المعجبين لهم، وما تعليقهم على ذلك، فصار البلطجي بطلًا، وتاجر الحشيش في بلد آخر قدوة لانتزاع الحقوق بالقوة، والنصّاب الحرامي في بلد ثالث هو من يحلّ الخلافات بسطوته لا فهمه، وكانت النتيجة الكارثية التي نحياها الآن من كثرة جرائم القتل وجرائم هتك الأعراض والسرقة والبلطجة والتحرش والخطف، تخيّل أنّ دفاعك عن عرضك قد يكلفك حياتك، وأنّ مراجعتك لمتحرش بعرضك قد يودي بك إلى المهالك، صار الوصول إلى الفساد الأخلاقي أسهل بكثير من الحديث عن إصلاح عوضًا عن تغييره، صار المراهق يهين كل من يعاتبه حتى لو كان شيخًا مدنفًا ويتفنن في إذلاله.

وربما يكون عامل أخير في ثالوث صناعة سوبرمان العرب، هو الكم الكبير من الأغاني المشجعة على العنصرية والتباهي بالقبيلة والطائفة، وهذه لها دور في صياغة وعي من يسمعها ويتداولها وينشرها، فالأمر ليس بلطجيًّا يهرف في الكلام وهو عارٍ، حاملًا سيفه أو سلاحه، بل صناعة قدوة تهدم المجتمعات عن قصد وتمويل من ديكتاتوريات بلداننا، ومن يعولها من الخارج، فإنك تسمع في شوارع بلداننا ما يدمي القلب من هرطقات ليست بالشعر ولا حتى بالنثر المعبر، بل مهرجان -كما يسمونه- كل كلامه يدور حول الجنس ونزع الحق عربدة، وأنّ البقاء للأقوى وغيره من ترهات الاستعراض العربي الداعم للطغاة والمكرس لحكمهم.

ختاما ليس هناك خلل في أنّ يكون لك رسالة في حياتك، بل هو المطلوب. لكن أن تتخذ ممثلًا هابطًا قدوة لك فهذا يعني أنّك من الناحية الواقعية غير مدرك لواقعك وواقع أمتك، بل أنت عالة وعار عليها وعلى نفسك قبلًا، يا عزيزي لقد قتلنا أسود بلداننا، أقصينا ما تبقى منها، وها هي كلاب العالم تعيث فسادًا في وعينا ولا وعينا، وتسرق منّا جيلًا كاملًا، ونحن نظنّ الأمر فيلمًا عابرًا أو كليبًا مارًا، ولقد بدأت الدماء تراق لأتفه الأسباب دون أن ندرك السبب الحقيقي لظهور السوبرمان العربي البلطجي القميء، ولتعلمن نبأه بعد حين.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد