اجتمعت قريش لتقتل رسول الله وتقضي على الدعوة في مهدها، وخلد تلك اللحظات قوله تعالى «فأغشيناهم فهم لا يبصرون»، خرج الرسول وصاحبه في رحلة من مكة إلى المدينة لبنة الدولة الاسلامية الأولى ودرعها وسيفها وعلى إثرهم صائدوا الجوائز وعتاة قريش من الفرسان الأشداء، ويخلد تلك اللحظات قوله تعالى «ثاني اثنين إذ هما في الغار»، وصل الرسول وصاحبه إلى المدينة وخلدت تلك اللحظات إنشاد المدينة طلع البدر علينا ذلك النشيد الذي لطالما رددناه صغارًا. تاريخ أمة ونبي ودستور أمة مدون في كلمات!

كانت من معجزات إبراهيم عليه السلام أن كانت النار المستعرة عليه بردًا وسلامًا، و من معجزات سيدنا موسى البقرة والعصا، وعيسى عليه السلام من كراماته أن تكلم في المهد صبيًّا، ومعجزة نبينا عليه الصلاة والسلام القرآن تلك المعجزة الحية بيننا لليوم وللأبد، ولا عجب أن تكون معجزة نبينا كلمات ولم لا وقد نزل صلى الله عليه وسلم على قوم يبجلون الكلمة وقد كانت المعلقات وهي خير ما جاد به شعراء العرب القدماء مثبتة بالكعبة البيت قدس أقداسهم، وعلى مدار تاريخنا كم رفعت الكلمة أناسًا من الشعراء والفقهاء والمتكلمين!

يزعم أحد رؤساء التحرير أن رئيس الوزراء الحالي استعان ببعض أساتذة اللغة ليسأل هل تقال نحن المصريين أم نحن المصريون؟ نشكر الرجل على اهتمامه بالبحث عن الصواب ولكن هل هذا هو ما يليق بنا، وليس منا ببعيد خطابات أعلى رأس للسلطة، هل هذا هو المستوى الذي يليق بنا؟ لا أدري أي بلاء هذا الذي ابتلينا به! كان الساسة قديمًا شعراء وخطباء وفقهاء ضالعون بقواعد اللغة تخرج الكلمات من أحدهم رنانة فتلهب مشاعر الجماهير ولم تكن الكلمة تعني عكس ما توحى بل كلمات مباشرة واضحة الدلالة لا تحتمل التأويل، لا أدري كيف نطالب أبناءنا بحب الوطن والتمسك بالهوية ونحن لا نجيد لغتنا الأم؟ وكما يقول الشاعر مريد البرغوثي: «ما الذي يسلب الروح ألوانها؟ ما الذي، غير قصف الغزاة، أصاب الجسد؟»، هناك كثير من المشاهير قد حفظوا القرآن وحفظوا اللغة وأذكر منهم أنيس منصور والأستاذ الكبير هيكل من فارق الحياة مؤخرًا والبابا شنودة وغيرهم، بل تعدى الأمر الكتاب ووصل لأهل الغناء وكيف أن حفظهم للقرآن ومعرفتهم لقواعد اللغة والنطق السليم قد أفادتهم كثيرًا بمجالهم ومنهم مدحت صالح وأحمد سعد من المعاصرين والشيخ إمام وسيد درويش ومكاوي من القدماء وغيرهم الكثير، كتب جلال أمين من قبل هذا الرثاء للغة على لسان صديقة له «فلم يفعل الإنجليز بلغتنا ما فعلناه نحن بها، أو تركونا على الأقل نصون لغتنا ونعلمها لأولادنا بالطريقة الواجبة، دون تدخل منهم. فأي جنون أصابنا بعد أن حصلنا على الاستقلال؟ وأي استقلال هذا الذي يحدث في ظله هذا الامتهان للنفس؟»

سيأتى اليوم حين يقرأ احفادنا آيات القرآن أو نصوص الأحاديث ولا يفقهون منها شيئا، أو أن يقرأ أحدهم كتابا في التاريخ ولا يدري كنه ما هو مكتوب، لقد استردت مصر أرض طابا عن طريق بعض المخطوطات القديمة، ترك لنا الأقدمون القرآن والسنة وقواعد النحو وقواعد الصرف وترك الأقدم أحرفهم على الجدران وتركوا لنا حجر رشيد قتالا للحفاظ على اللغة، والأم في يومنا هذا لا تدري ماذا ترد على ولدها حين يسأل ما فائدة تعلم العربية، حتما هي لم تتعلم، إن الذكر حي بنا، حي بما حوته صدورنا، حي لنا وحي بنا، وربما يأتي على أولادنا يوم ينظر اسمه فلا يراه، إن لم يكن هذا هو ضياع الوطن والهوية فما هو الضياع؟

 

وفي ظل أمة تواجه خطر التفتت وقد طال الكثير من جسدها بالفعل، لا أدري غير اللغة رابطًا نستمسك به، فلا العرق يجمعنا ولا الدين. هل يأتي يوم وتنمحي العربية من اللغات كما محي غيرها؟ والعربية هي العربية التي عرفها القدماء وليست تلك الكلمات المشوهة التي نطنطن بها!

و أخيرًا لن تخسر اللغة بل نحن الخاسرون، علموا أولادكم العربية.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

علامات

اللغة, بالعربي
عرض التعليقات
تحميل المزيد