تفشت مؤخرًا ظاهرة إتقان اللغة الإنجليزية شرطًا للقبول الوظيفي في الأعمال الإدارية بشكل عام والمنح الدراسية بشكل خاص، تعد هذه الظاهرة من أهم الأسباب التي تسهم في زعزعة ثقة الشاب العربي بنفسه، وبما لديه من القدرات والمهارات، حيث سعت إدارات معايير الجودة إلى تحويلها من مهارة ثانوية إلى متطلب أساسي في الكثير من الوظائف الإدارية والمنح الدراسية.

لا يقتصر الأمر على كونه عاملًا سلبيًا على مستوى الفرد، بل أصبح الأمر ظاهرة عامة تمس أهم خصائص وسمات المجتمع ككل وهي تمييع «الهوية والثقافة العربية»، فتمييع لغة أمة أو مجتمع ما هو في الأساس إلا سهم ناشب في الحاضرة الثقافية والحضارية لتلك الأمة أو المجتمع. لا يقف الأمر هنا؛ بل تفشت تلك الظاهرة إلى الحياة اليومية والتربية المنزلية في البيوت، الكثير من العائلات تقر اللغة الإنجليزية لغةً أساسية في المنازل من أجل تنشئة الصغار على تعلم اللغة الإنجليزية متعذرين بأن اللغة العربية سوف تأتي مع الأيام من تلقاء نفسها، مع العلم أن تعلم اللغة العربية لغير الناشئين عليها يعد هو الأصعب أمام تعلم اللغات الأخرى والمشهور منها خصوصًا، كونها تحتوي على ستة عشر ألف جذر لغوي، وعلى أحرف لا تحتويها لغات أخرى.

تخيلوا معي مستقبل اللغة العربية!

ما زالت الكثير من المجتمعات العربية لا تسكن المدينة، ونسبة كبيرة من سكانها لا يزالون يسكنون القرية والبادية، وهذه حقيقة سجلتها الكثير من الدراسات المجتمعية، يتخرج طالب القرية من الثانوية العامة لا يعرف إعراب جملة عربية بطريقة صحيحة، ويعاني من أخطاء إملائية فادحة (وأعترف أنني كنت أحدهم) لسوء التعليم الذي تلقيته في القرية، تخيل معي هذا الطالب، أكمل دراسته الثانوية بهذه الكيفية، ثم أرسله أهله إلى الخارج لتعلم اللغة الإنجليزية لمدة سنة كاملة، ثم التحق بأحد التخصصات التطبيقية باللغة الإنجليزية، لمدة قد تصل إلى أربع سنوات، يتخرج الطالب وهو لا يعرف كيف يقرأ القرآن بطريقة صحيحة، ولا يعرف كيف يكتب اللغة بطريقة صحيحة، ثم في ما بعد يكمل الطالب الدراسات العليا وهو يعاني من هذه المعضلة، وكل مسيرته العلمية لا تجعله يواجه عائق اللغة العربية بطريقة مباشرة، كون دراسته كانت خارج إطار اللغة من ناحية ومن ناحية أخرى انحسار اللغة العربية أمام تعدد اللهجات الدارجة، ناهيك أن اللغة العربية تسجل تراجعًا كبيرًا أمام التقدم التكنولوجي الذي جعلها خارج إطار البنية التكنولوجية، جاعلًا منها لغة تراسل وتواصل خالية من المضمون اللغوي الصحيح.

ذهبت وزارة التعليم العالي بتركيا لجعل اللغة التركية شرطًا لقبول الطالب الأجنبي في جامعاتها لتعزيز وجودها الثقافي والحضاري بين أمم المنطقة، بينما ذهبت المؤسسات والجامعات العربية إلى جعل اللغة الإنجليزية شرطًا لقبول الطالب العربي، حتى على مستوى الوظائف التي لا يتطلب توصيفها شهادات جامعية عليا، وهذا بحد ذاته جعل هاجس تعلم اللغة الإنجليزية يشغل بال الكثير، وشكل أهمية قصوى للشباب العربي مما جعل اللغة العربية شيئًا غير مستحب إلى قلوب الكثير من الشباب وجعلها لغة ثانوية، وربما جعل ذلك أيضًا الكثير منهم يعزفون عن الانتساب لتخصصات العلوم الإنسانية التي تعنى بدراسة المجتمع ومعالجة مشاكله، واتجه الكثير منهم إلى التخصصات التطبيقية.

ربما لا يتحمل الأفراد المشكلة بشكل كامل، فمعضلة اللغة تساهم في انتشارها الكثير من المؤسسات الرسمية التعليمية منها والخدمية، بسبب اتجاهاتها التثقيفية ودعم برامجها لمواد علمية تعزز من توسع اللغة الإنجليزية على حساب اللغة العربية «اللغة الأم»، فربما في المستقبل تصبح اللغة العربية لغة ثانية.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد