«أحن دومًا إلى مكانٍ قديم …»

بالحديث عن الروائيات النساء عبر كل الأوقات والأزمنة، وعن رأيي الخصوصي جدًّا، أجد  قليلات هن، وبشكل لا يُصدَّق، الروائيات اللواتي كتبن خارج دائرة «الحكي في المحكي» و«الصعبنيات النسائية» وتكلمن بكل جرأة وبمنظور خارج نطاق حاضرهن الآني المُجرَّد ليمتد نحو المستقبل مستشرفًا كل ما فيه، ومُعالجًا بشكل ديمومي في رواياتهن ما كان موجودًا لديهن من ظروف ومتاعب، وتلك المعالجة والتي كرسول لا يشيخ جعل يُعالج كل مشاكل وظروف وحياة نسوة أخريات من أزمنة أخرى وثقافات أخرى وديانات أخرى.

«چين أوستن» أول الأمثلة المعروفة والمطروحة بقوة، هي رسولٌ وصاحبة رسالة، ليست فقط روائية، بالرغم من رواياتها التي لم تتعدّ عدد الأصابع، «أوستن» استحقت تلك المكانة عبر التاريخ لما كان في رواياتها من مناقشة حقوق المرأة الأوروبية المحرومة وقتئذ من أبسط حقوقها في الميراث، والزواج من أجل المرتبة الاجتماعية، وهما قضيتان ممتدتان خارج الزمكان الذي عاصرته «أوستن» ولاقت به أصدية لدى النساء حول العالم وفي كل زمان،

«شارلوت برونتي» فعلت ذلك أيضًا حينما ناقشت في روايتها الجليلة «Jane Eyre» حق الرجل في الطلاق والزواج من أخرى، «إيميلي برونتي» رسول هي الأخرى ولها رواية وحيدة كانت تُعد في زمانها باكورة الفيمنيست الجريء والرأي النسائي الذي لا يخشى شيئا، لدرجة أحيانًا استغرب وبالأحرى أشكر الناشر الذي تولى على عاتقه نشر رواية تظل إلى زماننا هذا جرئية الطرح فما بالك بالأيام  الغابرة التي كانت للمرأة فيها حيز بسيط تستطيع به البوح والنقاش، رواية «مرتفعات ويذرنغ » حصاد المُبدع المتفرد الذي كتب جبلاً من إبداع ثم مات، «إيميلي» كأختيها المبدعتين لاقت ربها صغيرة بداء السُل وكن ثلاثتهم أصوات نسائية حُرة ومبدعة وخارج جميع الصناديق المُعتمة التقليدية بالرغم من حياتهن الجافة جدًا والصعبة جدًا وفقيرة الإبداع، چورچ إليوت (والتي كانت تكتب تحت اسم رجل) رسولٌ هي الأخرى وقلم مظلوم، وبعيدًا عن القرن الفيكتوري الإنكليزي هناك آيان راند الأمريكية العصرانيّة التي عَرَفت كيف تُزاحم الرجال في سرد متاعِبهم هم في رائعتها «أطلس مستنكفًا» وأخريات.

ومن بيئتنا العربية هل بإمكاننا ضم «رضوى عاشور» و«لطيفة الزيات» و«بنت الشاطيء» إلى الرائدات من الروائيات اللواتي خرجن بسلاسة من دوامة السرد النسائي المعتاد من حكايات الحب والفِراق والهجر واللقاء! لستُ أدري، أرى رواياتِهن لم تمس بشكل مُركز مشكلات المرأة واحتياجاتها وصراعها نحو التعريف والاستمرارية في الحياة كإنسان له عظمته الكينونية بدون اللجوء إلى العبارات الفخمة والطناطنة والإسهاب المفتعل، لستُ أدري، ربّما ما يشفع لـعاشور أنها لم تتدثر تحت شرشف المرأة المصرية – مواطنتها الأصلية – فحسب، ولعل ذلك مرجوعه زواجها من رجل فلسطيني، مُبدع، ساهم في فتح باب لها نحو رؤية أبعد قليلًا، ورأينا أثر ذلك في روايتيها «الطنطورية» و«ثلاثية غرناطة»، أما «بنت الزيات»، فسردها لو لم يتأثر بتمجيد فترة أصلا غير مفهومة ومضطربة من حياة المرأة المصرية في تحول سياسي مضطرب من ملكية إلى جمهورية واختلافات سيسولوجية أثرت بشكل مباشر على حياة الناس وشعارات ناصرية لكانت كتابتها أجمل وأرق تعبيرًا وأوسع مدلولاً من «عاشور»،
من الصعب عليّ حقًّا القول أن إحسان عبد القدوس عرف كيف يناقش هموم ومشكلات سيدة بداية العصرانيّة بشكل أفضل!

«إيليف شافاق» على صعيد حديث هي روائية تكتب بغير لغتها وتفضل أن يكون لسانها – الإنكليزي – هو ما تحكي به بشكل خصوصي جدًّا عن المرأة التركية المعاصرة والجدة والأم والأبنة والذي يكاد يتشابه  كعادة كل تراث تركي، عثملي مع واقعنا المصري ومشكلاته! وتكتب بنظرة جريئة لا يُستهان بها عن شرف المرأة بمفهومه الشرقي التقليدي وعن غيره من قضايا خصوصية مما فعلا يتماس مع واقعنا نحن النّسوة العرب.

هل هناك أخريات؟!

هناك «مي النقيب » قصصية من الكويت تكتب بالإنكليزية أيضًا، ممكن القول على استحياء أنّها تكتب بزاوية مُغايرة عن «حكي المحكي»، لكن يظل اللسان البعيد عن العربيّة مكروه حتى ولو تكلم بصدق عما هو معاصِر من هموم وخصوصًا إن كان الحديث عن مشاكل وهموم المرأة في منطقة كانت وستظل تقليدية ومحكومة بالأعراف بالرغم من كل شيء وبالرغم من كل حداثة!

حسنًا، وهناك «بثينة العيسى»، في روايتها الجديدة «كُلّ الأشياء» تأخذنا في رحلة غرائبية نحو كل شيء قديم وتقليدي ولكنه كعادة تلك الأشياء حنون وعاطفي وأيضًا خارج نطاق الزمن، «العيسى» عرفت كيف تكسر قيد الحكي في ظلم المرأة وحقوق المرأة وكل تلك الأكليشيهات لتأتيك هذه المرة بصوت، لا أود وصفه بـ«رجولي» كيلا أظلمها فهي أمرأة جميلة، وتستحق ذلك اللقب عن جدارة، لكن دعونا نقول، أتت في روايتها بصوت «جدتي»، جدتي التي تحكي عن كل شيء قديم فات بنبرة تبني أمامك مسرحًا عليه كل الأحلام الفائتة.

العيسى رغم اختلافي مع أفكارها المضطربة قليلًا، لكن هذا ما تتم به الشفاعة للمبدعين أصلاً، ألا نلتفت لجنونِهم أحيانًا كثيرة، وننهم من طواحينهم الإبداعية كل طحين حياتنا لنعجن ونخبر ونأكل ونعيش في سعادة، تمامًا كحلوي جدتي، العيسى دومًا ما تحنُ إلى زمانٍ ومكانٍ قديم.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد