لا يمكن لشخص محايد ألا يلاحظ كمية الكلمات والألفاظ والعبارات والمصطلحات والتعبيرات التي دخلت إلى حياتنا اليومية في السنوات القليلة الأخيرة بسبب التكنولوجيا ووسائط الإعلام ووسائل التواصل الاجتماعي، وسيل المحتوى المنهمر عبر الإنترنت وعبر القنوات الفضائية والمحطات الإذاعية والجرائد والمجلات، سواء أكان مقروءًا أم مسموعًا أم مرئيًا، وسواء أكان ستاتيكيًا كنص تقرأه، أم كان ديناميكيًّا تفاعليًّا كمحادثة نصية عبر تطبيق الشات.

الطفرة التكنولوجية وطفرة الاتصال التي حدثت في المنطقة وخصوصًا بعد ثورات الربيع العربي، وجعلت عدد مستخدمي الإنترنت في بلد عربية واحدة مثل مصر يتضاعف من 16 مليون مستخدم في 2010 عشية الثورة إلى أكثر من 50 مليون مستخدم في مطلع 2017، ومن 4.2 مليون مستخدم لفيسبوك قبل الثورة مباشرة إلى 28 مليون مستخدم لفيسبوك في الوقت الحالي «يشكلون ربع مستخدمي فيسبوك في المنطقة العربية»، هذه الطفرة خلقت وسيطـًا ضخمًا وجديدًا وواسع الأثر لتبادل اللغة اليومية مسموعة ومقروءة ومكتوبة عبر التطبيقات والبرمجيات والأدوات التي توفر وسائل سريعة ومؤثرة وكفؤة للتواصل.

تأثير السوشيال ميديا الفيروسي

أيضًا نماذج شبكات التواصل الاجتماعي ساهمت في إبراز نصوص وكلمات بعينها ترد داخل سياقات مختلفة، سواء عن طريق تعزيز مكانة تلك النصوص والسياقات عبر خصائص مثل الهاشتاج، وعبر الانتشار السريع Viral الذي يمكن لنص أو مقطع فيديو أو شريط صوتي للوصول لعشرات الآلاف من الأشخاص عبر مشاركته على فيسبوك، أو عبر إعادة التغريد على تويتر.. الخ. كما أن ديمقراطية إنشاء المحتوى ونشره وتبادله التي أتاحتها التكنولوجيا، ساهمت تقريبًا في إلغاء دور أي رقابة قد توضع على اللغة، سواء كانت رقابة رسمية من المؤسسات والحكومات، أو رقابة شعبية من جانب المجتمع أو الأهل. ما كان لا يمكن استخدامه في لغة الحياة اليومية منذ سبعة سنوات فقط، أصبح أمرًا اعتياديًا اليوم، من خلال الشبكة أولاً، ثم انتشر عائدًا للغة اليومية مرة أخرى بعد أن أعطته جماهير السوشيال ميديا تصريحًا بالعبور. أيضًا تلك الجماهير سمحت بخلق نجوم جديدة ومشاهير في العالم الافتراضي يؤثرون في الناس بطريقة تختلف تمامًا عن الطريقة التي كان يؤثر بها المشاهير التقليديين على جماهيرهم. فطريقة الصعود للنجومية التقليدية كانت تفرض على النجم حدًا أدنى من الثقافة واللياقة والتعليم ومراعاة التقاليد، لكن على السوشيال ميديا يمكن لأي شخص أن يصبح نجمًا، بل يسعى العديد من المؤثرين Influencers لتحدي القواعد السائدة وتحطيم الصور النمطية القديمة وتركيب صور جديدة مختلفة ومتباينة للغاية، يسعون بها إلى مزيد من التأثير في متابعيهم وجمع المزيد منهم Followers ومزيد من الشعبية ومن أرقام التفاعل Engagement.

كيف تغيرت لغتنا اليومية؟

هذا المقال يعتمد على بحث أجري على مجموعة من مستخدمي التكنولوجيا «الهواتف الذكية، والحواسب اللوحية، وأجهزة الكمبيوتر» وكذلك وسائل التواصل الاجتماعي «فيسبوك، وتويتر، ويوتيوب..»، هذه المجموعة تمثل شريحة من الشباب المصري المهتم بالمحتوى، على اختلاف مستوياتهم التعليمية، والاجتماعية، والثقافية، وعلى اختلاف توجهاتهم الدينية والسياسية. ويحاول البحث تتبع الكيفية التي أثر بها المحتوى على لغة هؤلاء اليومية.

العينة التي شملت 120 شابًا وفتاةً من مستخدمي فيسبوك، أجمع أفرادها بلا استثناء على أن كل منهم اكتسب مفردات جديدة عبر وسائط الإعلام الحديثة خلال الخمس سنوات الماضية، حيث دخلت تلك المفردات قاموس حياته اليومية بشكل عفوي وتلقائي، 43% منهم تعرفوا على تلك المفردات لأول مرة عبر وسائل التواصل الاجتماعي، حيث دخلت إلى قواميسهم كلمات مثل «على وضعك» التي تعني «أنت رائع، استمر على موقفك»، و«خلصانة بشياكة» التي تشير لأمر انتهى باتفاق رابح أو مجزي لصالح الشخص المتكلم. وتلك المفردات إما يجدونها على صفحات ومنشورات أصدقائهم، أو المؤثرين Influencers الذين يتابعونهم، أو صفحات تقديم المحتوى الساخر.

35% منهم أشار لألفاظ واسعة الانتشار ذكرت في مسلسلات وأفلام عربية مثل كلمة «فشخ» و«فشيخ» التي أصبحت إحدى أهم مفردات حوار الشباب المصري، وتستخدم كصيغة مبالغة في مدح شيء ما أو إبراز أهميته أو تأثيره، الكلمة نفسها كانت تستخدم بدلالة جنسية منذ عدة سنوات، وكان لا يمكن استخدامها على الملأ على الإطلاق، على الرغم من أصلها الفصيح الذي يعني «صَفَع أو لَطَم» حسب المعجم الجامع. لكنها أصبح من العادي أن يتم استخدامها حاليًا في وسائل الإعلام، وكمثال ذكرتها الممثلة «بسمة» في فيلم «واحد صحيح» – من إخراج هادي الباجوري، 2011.

وأيضًا كلمة «فاكِس» بكسر الكاف وتسكين السين، التي تعنى «دعك منه»، أو أن الأمر لا يستحق، الكلمة أصبحت واحدة أيضًا من مفردات الحديث الشبابية اليومية، وجاء أيضًا ذكرها على الشاشة في مسلسل «تحت السيطرة» -إخراج تامر محسن، 2015- على سبيل المثال، على لسان الممثلة «جميلة عوض».

كل شيء تغير

الأغاني والكليبات والمقاطع الصوتية حلت في المرتبة الثالثة بنسبة 27%، حيث أشار المشاركين في الدراسة أن كليبات يوتيوب ومقاطع ساوندكلاود، نقلت إليهم مفردات مثل «مُزة» – وهي إشارة شبه سوقية إلى الفتاة الجميلة أو المثيرة- مثل كليب «يسرا» و«مي عز الدين» في 2012 الذي يحمل الكلمة نفسها في عنوانه وحصل على ما يقرب من نصف مليون مرة مشاهدة. أيضًا أغاني المهرجانات – وهي نوع من الأغاني الشعبية المعتمدة على موسيقى التكنو، وكذلك تستعين ببرمجيات مزج الصوت بشكل أساسي-، ومنها مهرجان «مفيش صاحب يتصاحب» الذي ورد فيه مصطلح «جاب ورا»، الذي شاع أيضًا منذ الانتشار الفيروسي للأغنية التي حصلت على أكثر من 100 مليون مشاهدة على يوتيوب منذ انطلاقها في صيف 2015، الأغنية نفسها أيضًا سمعت على ساوند كلاود أكثر من نصف مليون مرة. الأرقام الضخمة على الإنترنت لا تقارن إطلاقـًا بنظيرتها في التليفزيون والراديو، المصريون الذي يستخدم 50 مليون منهم الإنترنت لديهم 20 مليون جهاز تليفزيون فقط «مقابل 7.7 مليون تليفزيون عام 2000، في وقت كان مستخدمو الإنترنت في مصر لا يتجاوز نصف مليون»، مع تسجيل انخفاض لوقت مشاهدة التليفزيون من 4 ساعات يوميًا في 2008 إلى 140 دقيقة في 2016، لصالح متابعة شاشات الكمبيوتر والهواتف الذكية.

«كليب مفيش صاحب يتصاحب»

الشعر والقصيدة المسموعة كان لها نصيب أيضًا، حيث أشار المشاركون في العينة أن كلمة «فصيل» التي دخلت قاموس مصطلحاتهم، بمعنى سخيف، أصبحت مألوفة منذ وردت في قصيدة ألقاها الشاعر واسع الانتشار «هشام الجخ» بعنوان «طبعا ماصليتش العشا»، هشام ليه صيت على يوتيوب وساوند كلاود، ومن المعتاد أن تجد قصديته الواحدة قد سمعها أكثر من 100،000 شخص.

كنت عايش طول حياتي أسئلة

«ماما!.. بنصلي ليه؟»

«ماما!.. مين بابا حسني؟»

«ماما!.. يعني إيه عابر سبيل؟»

«ماما!.. يعني إيه راجل أصيل؟»

عيّل فَصِيل!

القصيدة على ساوند كلاود:

وبالنظر إلى سحابة المصطلحات التي اتفق 65% من العينة على تواجدها الدائم في حياتهم سماعًا وكلامًا، وتأثيرها المباشر على لغتهم، نجد تلك الكلمات موجودة بشكل مشترك:

فشخ/ خلصانة/ خربانة/ فصيل/ كراش/ فاكس/ ياختاااااااي/ ليمبو/ مزة/ عرص/ مش عارف ايه وبتاع/ فيمص/ سرسجي/ سف/ يا باشا/ حلقلي/ نفضلي/ يا هندسة/ يا مولانا/ على وضعك/ خلصانة بشياكة/ سيلفي/ دولجي/ سبوبة/ تسييح/ ادعك الفانوس/ اهرش/ مأنتخ/ اشتغلني/ أدرجي/ مستكنيص/ استمورنينج/ أبجني/ رامي ودانه/ جاب ورا/ كليشيه/ فلوطة/ دكا/ دكهوما/ تيييييت/ شبحنة/ تنين/ يا أسطى/ يا زميلي/ يا صاحبي/ يا برنس/ أكبر للناس/ جلاشة/ إدي جامد/ قافش/ الحنتريفا/ فجولت/ فجولة.

والمثير أيضًا أن هناك أحداث بعينها في مواقيت زمنية محددة ساهمت في زيادة شعبية بعض الألفاظ والمصطلحات، وقد أمكن تتبع ذلك بشكل واضح عبر رسوم بيانية صادرة من خدمة Google Trends، وعلى سبيل المثال فمصطلح «سيلفي «Selfie الذي يشير إلى وضعية التقاط الصور الشهيرة للذات عبر الكاميرا الأمامية للهواتف، زاد استخدامه على الشبكة بشكل هائل بعد حفل الأوسكار الشهير في 2014 والتقاط صورة سيلفي لنجوم هوليوود بكاميرا موبايل سامسونج.

وأيضًا مصطلحات مثل «جامد فشخ» و«فشيخ» بدأت في النمو الواسع مع ذروة نجاح برنامج «البرنامج» للإعلامي باسم يوسف، والذي كان من أوائل المشاهير الذين يستخدمون اللفظة بشكل علني وبدلالة «مشاكسة» مختلفة عن الدلالة الجنسية المشهورة للفظة. وهو ما استخدم لاحقـًا في العديد من المسلسلات والأفلام والبرامج التليفزيونية، وبالطبع على شبكات التواصل الاجتماعي، وربما كانت صفحة «الكومنت الفشيخ» على فيسبوك واحدة من أبرز الأمثلة، حيث تجتذب الصفحة ما يقرب من مليون معجب، عبر محتواها الخفيف الذي يتناول أغلب القضايا اليومية بشكل ساخر.

العربية العربية

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد