«إن محو الاستعمار إنما هو حدثٌ عنيفٌ دائمًا».

فرانز فانون؛ معذَّبو الأرض

مقدّمــة

إن مفهوم المثقف من حيث هو المتخصص في مجالٍ علميّ معيّن والذي خرج من حقلهِ التخصصي إلى المجال العام بموقفٍ نقديّ في قضيّة عامّة؛[1] إنما هو مفهومٌ حديث ظهر بعد حادثة درايفوس (1894). يقسّم الباحثون المثقف من حيث أدوارهِ في المجتمع ابتداءً من أنطونيو جرامشي Antonio Gramsci (1891-1937) الذي يفصل بين المثقف التقليدي كالمعلم ورجال الدين الذين يؤدون أدوارًا ثابتة من جيلٍ لجيل؛ وبين المثقف العضوي المنتسب لمؤسسةٍ أو حزب يهدف لتنظيم المصالح واكتساب القوة وزيادة سيطرتهِ،[2] وجولين بندا (Julien Benda (1867-1956 الذي تحدّث عن المثقف الخائن في اتصالهِ بالسلطة والمنفعة الخاصّة؛ والمثقف الحقيقي الذي يستمّد قوتهُ من عاطفتهِ الميتافيزيقيّة ومبادئ الحق والعدل والحريّة في شجب الفساد والظلم،[3] وصولاً إلى عزمي بشارة الذي قسّم المثقف إلى أنواعٍ ثلاثة اعتمادًا على موقفه من النظام السياسي القائم؛ هي المثقف المحافظ الذي يتّفق مع النظام في توجهاتهِ وينظّر لها، والمثقف الإصلاحي الذي يرى التطوير ممكنًا من داخل النظام، والمثقف الثوري الذي يرى سقوط النظام هو أولى خطوات الإصلاح السياسي والاجتماعي.[4]

غير أن غالبية المنظرين اعتمدوا في حديثهم عن المثقف على فرضيةٍ ضمنية مفادها صلاح وعي المثقف وقدرتهِ على تمثيل مرجعية معرفيّة في توجيه المجتمع، فحتى جوليان بندا الذي تحدّث عن خيانة المثقفين عرّف الخيانة من حيث هي التخلّي عن الاستقامة الفكرية الموجودة لديهم وقدرتهم على تمييز الفساد من الصلاح، ما يعني افتراض وجود وعي ضمني يخونه المثقف في سبيل منفعته الخاصّة.

جديرٌ بالذكر أن غالبية هذه المفاهيم عن المثقف ودوره الاجتماعي نشأت في سياقٍ ثقافيّ وسياسيّ يختلف جذريًا عن السياق الثقافي العربي في العصر الحديث. فبينما تُشكِّل علاقة المثقف بالسلطة الإشكالية الأهم في السياق الغربي دون أي أسئلةٍ وجوديّة أو هوياتيّة عن الذات والآخر؛ تمثِّل هذه الأسئلة والعلاقة بين الذات والآخر جوهر إشكالية المثقف – في ظننا – وعلاقتهِ الشائكة مع الآخر والشعب في السياق العربي.

بدأت هذه الإشكالية في ظننا منذ التواصل الثقافي الأول بين الهويّة العربية والآخر الأوروبي؛ حين كتب رفاعة رافع الطهطاوي (1801-1873) كتابه تخليص الإبريز في تلخيص باريز إبان عودته من الإرسالية العلمية التي أرسلها محمد على باشا (1769-1849)؛ الوالي العثماني على مصر والشام؛ بعد ما يقرب من عشرين سنة من الحملة الفرنسية على مصر (1798) مُمَوضعًا الحضارة العربية في طورٍ أقل اكتمالا ونضجًا من الحضارة الأوروبية التي يجب أن ننطلق إلها وننهل منها حتى نواكب العصر الحديث.[5] موضع الطهطاوي بهذه الرؤية الحضارة الإنسانية باختلاف أشكالها وألوانها؛ على سلّمٍ واحدٍ يتّجه إلى أعلى نحو الاستغلال الأمثل للمادّة في رفاهية الإنسان. وهو موقفٌ نقديّ يحمل عنصرًا جديدًا لم تتضمنّه النظريات السابقة عن المثقف – وهو عنصر «الآخر» – شكّل في النهاية فهمًا عن الذات من خارجها؛ وحوّر هدف الإصلاح السياسي أو الاجتماعي إلى هدف آخر تمامًا هو التماثل مع الآخر.

هذه النظرة الدونية إلى الذات – بتعبير فرانتز فانون (Frantz Fanon (1925-1961 – هي التي شكّلت أكبر قضايا العصر الحديث ضراوةً وعنفًا؛ وهي قضيّة القديم والحديث. لا يمكننا فهم أدوار المثقف ولا مواقفه المختلفة في هذه القضيّة انطلاقا من النظريات والمفاهيم الأوروبية أو الأمريكيّة عن المثقف، وتصبح الحاجة إلى نظريّة جديدة، تتضمّن هذا العنصر الجديد – الآخر – ضمن سياقها التفسيري، تمثِّل ضرورةً مُلحّة.

يتحدّث فانون عن نوعٍ مختلفٍ من المثقفين ينشأ في البلاد المستعمرة؛ هو المثقف المستعمَر. يعرّفه بأنّه المثقف الذي اتصل طويلاً بالطبقة البرجوازيّة الاستعمارية في البلاد المستعمِرة وتأثّر بمبادئها وقيمها الاستعمارية وابتعد كثيرًا عن الشعب الذي ينتمي إليه.[6]

كيف – إذن -أدخل فانون هذا العنصر الجديد – الآخر – في نظريّته عن هذا المثقف؟ وما هي إشكالياته التي يقع فيها؟ وكيف يمكن لهذا المثقف أن يمارس المقاومة ضد الآخر المستعمِر من أجل الإصلاح الحقيقي لبلاده؟ وقبل كل هذا ما هي طبيعة العالم المستعمَر وسياقه الاجتماعي المختلف عن السياق الأوروبي الذي نشأت فيهِ النظريات سابقة الذكر عن المثقف؟

العالم المستعمَر

إن العالم الذي يسوده النظام الاستعماري هو عالمٌ مُقسّمٌ بفعل العنف الذي مارسه المحتل أثناء استعماره.[7] هذا التقسيم يقع على جانبين؛ فهو تقسيمٌ ماديّ ومعنويّ في ذات الوقت. يتمثّل التقسيم المادي في الفصل بين المناطق التي يسكنها السكّان الأصليون والمناطق التي يسكنها الأوروبيون، والتي تتمايز من حيث أنظمة التعليم والصحّة والخدمة البيئية من نظافة وأمن… إلخ. ويُمنع السكان الأصليين من العيش في مُدن الأوروبيين، فينتج هذا شعورًا بالحقد والحسد لدى المستعمَر يدفعه للسعي لأخذ مكان المستعمِر. ويتمثّل التقسيم المعنوي في اللغة التي يستخدمها المستعمِر في وصف المستعمَر. فهو يستخدم أوصاف الحيوانات حين يعبّر عن السكان الأصليين مثل: زحف العنصر الأصفر، قِطعان الأهالي، تفريخ السكان، أرواث المدينة الأصلية.[8] هذا الفصل الذي يجعل من المستعمِر الإنسان صاحب القيم والمبادئ والفضيلة، والمستعمَر الذي يتحوّل إلى شيءٍ أو حيوانٍ يمثِّل الشر المطلق والانحطاط غير القابل للإصلاح هو سمةٌ أساسية من سمات العالم المستعمَر.

العالم المستعمَر هو عالمٌ ثنائي التقسيم إذن، والخط الفاصل بين قسميه هو العنف الاستعماري المتمثِّل في الثكنات العسكرية ومراكز الشرطة[9] التي تمثِّل مرجعًا قيميًا وشرعيًا في توجيه المستعمَر نحو القبول بالاستعمار باستخدام القوّة المفرطة أو التلويح بها. فيكون العسكر هنا المرجع الأخير الذي يخاطبه المستعمَر، والذي يتحدث وينطق بلسان المستعمِر في ذات الوقت.

هذا الانقسام في البلد المحتل لا يكمل بعضه بعضًا، فهو ليس انقسامًا طبيعيًا أو وظيفيّا، بل هو انقسامٌ يخضع لمبدأ التنافي المتبادل إذ لا سبيل إلى مصالحةٍ؛ إن أحد الطرفين يجب أن يزول من أجل الطرف الآخر.[10] فـ«تحطيم العالم الاستعماري لا يعني إلا شيئًا واحدًا هو إزالة إحدى هاتين المنطقتين، فإمّا دفنها في أعماق الأرض وإما طردها من البلاد».[11]

ما يؤجج هذا الانقسام ويدفعه للاستمرار هو الواقع الاقتصادي والتفاوت الكبير في طراز المعيشة بين الطرفين. أن انتساب المرء إلى نوعٍ معين أو عرقٍ معيّن هو ما يجعلهُ غنيًا أو فقيرًا. أي أن الماهيّة التي تجعل الفرد عبدًا أو فارسًا تأخذ طابع الحق الإلهيّ لإضفاء صفة الشرعية على هذا الفرق القائم.[12]

العالم الاستعماري ليس عالمًا طبيعيًا إذن؛ وإنما هو عالمٌ نتج عن العنف الاستعماري الذي عمل بلا كلل على تحطيم صور الحياة الاجتماعية للسكّان الأصليين، وخرّب بلا قيود طرز الاقتصاد وأشكال المظهر والملبس،[13] وموضعه في سياقٍ من الانحطاطِ والخرافات والفساد القيمي، وساوى بين القضاء على الحُمّى الصفراء وبين نشر دين الإنجيل لمحاربة عادات المجتمع وخرافاتهِ،[14] والعمل على نشر القيم والمبادئ الأوروبية.

——————–

الهوامش:


[1] عزمي بشارة، «بين المثقف والثورة«، مجلّة تبيُّن، (الدوحة، المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات، 2016)

[2] انطونيو جرامشي؛ ورد في: إدوارد سعيد، صور المثقّف: محاضرات ريث 1993، تر:غسان غصن، (بيروت، دار النهار، 1996)، صـ22.

[3] لمزيد من التفاصيل حول رؤية بندا لخيانة المثقفين يمكن مراجعة:

Julien Benda, The Treason of the Intellectuals, T: Richard Aldington, (USA, Transaction Publishers, 2006).

[4] عزمي بشارة، المرجع السابق.

[5] رفاعة رافع الطهطاوي، تخليص الإبريز في تلخيص باريز، (القاهرة، مؤسسة هنداوي، 2012)، صـ 11-20.

[6] فرانتز فانون، معذَّبو الأرض، تر: سامي الدروبي وآخرون، دار الطليعة، صـ 19-28.

[7] فرانتز فانون، المرجع السابق، صـ20.

[8] فرانتز فانون، المرجع السابق، صـ24.

[9] فرانز فانون، المرجع السابق، صـ21.

[10] فرانتز فانون، المرجع السابق.

[11] فرانتز فانون، المرجع السابق، صأ23.

[12] يأتي أهميّة مبدأ «الماهيات الخالدة» –كمبدأ استعماريّ اساسيّ- حين يؤمن بهِ المثقف المستعمَر؛ من كونه يصير عائقًا أساسيًا حين يؤمن بهِ المثقف المستعمَر فيوقفه عن المقاومة والإطاحه بالمستعمِر كما سنرى لاحقًا.

[13] فرانتز فانون، المرجع السابق، صـ23.

[14] فرانز فانون، المرجع السابق.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

تعليقات الفيسبوك