هل يمكن للربيع العربي أن يكون له دور نهضوي في الشارع العربي من ناحية غير سياسية؟

لا يمكن أن يكون الربيع العربي قد فشل سياسيًّا؛ فبفضله سقطت أنظمة مستبدة، صارت في الحكم عشرات السنين، تقمع في شعوبها، وتسلب حرياتهم؛ فكان من الطبيعي أن تُخيم على تلك الشعوب غَمامة من الجهل، واللاوعي؛ تجعلهم لا يتقبلون الثورة إلا مؤقتًا، لاعتبارات قاموسية في حياتهم، حيث العيش والأمان أولًا، ولكن إذا سلمنا بفشله سياسيًا مؤقتًا على الأقل؛ فيمكن إصلاح ما فسد من عقول هؤلاء الأفراد الذين رفضوا فكرة استمرار الثورة سابقًا.

بدون أدنى شك، كان الربيع العربي هو السبب الرئيسي في انتشار حركة القراءة بين شباب الوطن العربي في الآونة الأخيرة، بغض النظر عن نوع القراءات التي تسيطر على اختيارات القُراء حاليًا، ولكن نستطيع أن نجزم أننا أمام حركة من العودة – حميدة كانت أم لم تكن – إلى الكتاب من جديد، حيث نلاحظ الآن انتشار مئات المجموعات الثقافية المنتشرة على مواقع التواصل الاجتماعي، والتي تضم الآلاف من الشباب القُراء، أو الكُتاب، أو كل من له علاقة بالكتاب أو القراءة والاطلاع عامة.

ظهر في الفترة الأخيرة جيل جديد من الكُتاب الشباب؛ الذين يكتبون بطريقة ربما لا تكون على الدرجة الأدبية المقبولة، ولكنها على حد تعبيرهم «أقرب إلى الشباب في لغتها»، واجتذبت قطاعًا كبيرًا جدًا منهم؛ حيث أدب الرعب، أو الفانتازيا متخذين نموذجًا ناجحًا وهو «خالد توفيق» أو كما يحبون تسميته بـ«كاتب الشباب».

بالطبع للسوشيال ميديا دور هائل في صُنع هذا المنحى الجديد، بعد أن كانت السبب أو الوسيلة في إسقاط الكثير من الأنظمة المستبدة في المنطقة؛ فمن خلال صفحات ومجموعات السوشيال ميديا يمكن أن تنشر نتاجك الأدبي، ويطّلع عليه قرّاء عاديون، ونقاد أدبيون أسرع مئات المرات من النشر الورقي المُكلف، أو حتى الذي لم يعد في المتاح، بعد أن سيطرت على دور النشر المحلية سياسة عقيمة؛ مفادها تفضيل النشر لكتاب الـ «Best Seller»أو نجم الشباك كما في السينما، الذي وللمفارقة صنعتهم السوشيال ميديا؛ حيث أصبح لهم جمهور كبير على اختلاف توجهاته، يُطلب نتاجهم – سواء أدبي أو غير أدبي – بغض النظر عن المستوى الثقافي لهذا الجمهور، بدون فرض أي وصاية منّا بالطبع.

المشكلة تكمن هنا في تلك السياسة التي سمحت لأنصاف الأدباء – إن جاز التعبير – أن يصبحوا أدباء بفضل السوشيال ميديا؛ حيث ظهر كم رهيب من الكُتاب ممن يكتبون بلغة الشباب على حد تعبيرهم، وملؤوا الدنيا ضجيجًا وترهات، والمثير للحنق أن من ينشر لهم هي دور نشر عريقة في الوطن العربي مثل الشروق على سبيل الذكر وليس الحصر، وتأسست دور نشر جديدة يمكن أن نسميها تجاوزًا – شبابية – نتيجة تخصصها في النتاج الأدبي أو غير الأدبي الشبابي، بالطبع السوشيال ميديا كانت الحاضن الأول لهذا الاتجاه، ولكن اختلط الغث بالثمين، أو السيئ بالجيد؛ فأصبح القارئ لا يعرف أيسير حسب ما تُمليه عليه صفحات السوشيال ميديا ودور النشر وجمهور الـ«Best-Seller»؟

«زاد العدد وقلت القيمة» بهذه الجملة يمكن أن نلخص حال الكتاب اليوم، ولكن يعتري هذا المنحى مشكلة جديدة؛ وهي إشكالية الكتاب الأصلي، والكتاب غير الأصلي؛ حيث يقوم مجموعة من الهواة بطباعة نسخ أقل من الأصلية في جودة الورق، تُباع بأسعار أقل من النسخ الأصلية في دور النشر المختلفة، حيث يتجه لها قراء الطبقة المتوسطة في مصر – التي في طريقها للزوال – الذين لا يستطيعون أن يدفعوا في رواية مثلًا من الحجم الصغير صادرة منذ أسابيع عن دار نشر مشهورة في مصر مبلغ 50 جنيهًا، هذا المبلغ لكاتب شاب، فما بالك بروايات نجيب محفوظ التي احتكرتها الشروق، وتباع الآن على سبيل المثال «الحرافيش» بمبلغ 120 جنيهًا، فمن يا ربي يملك 120 جنيهًا لينفقهم على الكتب في زمن التعويم! فمن الطبيعي والمنطقي أن يتجه القارئ إلى النسخة المزّورة – كما يسمونها – وينبذ النسخة الأصلية لشاريها الذي يستحقها، فنحن أمام محاولة، أو ربما أصبح واقعًا لرأسمالية الأدب في مصر والدول العربية، فمن يملك يشتري بماله ومن لا يملك لا يشتري ويتجه للنسخ الإلكترونية، التي أيضًا يرفضها سارقو دور النشر؛ لأنها تخل بحقوق المؤلف والناشر، فما الحل في هذه المعضلة؟

ربما كان الحل في هذه المشكلة التي يحاولون أن يجعلوها مشكلة من خلال التضييق على طارحي النسخ الأقل جودة، خاصة بعد مهزلة التعويم؛ التي سمحت برفع أسعار تلك النسخ أيضًا، أن تقوم دور النشر بطرح نسخ شعبية؛ حتى يستطيع القارئ أن يواصل إشباع رغبته في القراءة، ولا أظن أنهم يستجيبون لهذه الاقتراحات؛ لذا فالحل التقليدي هو الاتجاه لمنافذ الكتب الحكومية المدعمة، قبل رفع الدعم من عليها؛ مثل الهيئة العامة للكتاب، ومكتبة الأسرة، أو القومي للترجمة، ولكن بسبب ركود حركة النشر في مثل هذه المشاريع مثل مشروع الأسرة؛ الذي ما إن يبدؤه شخص ثم يتوقف، ويُعاد من جديد، ثم يتوقف، وهكذا دواليك منذ تم رعايته في عهد السيدة الفاضلة – فاضلة فعلًا – «سوزان مبارك» تحت اسم القراءة للجميع.

إذن يا أصدقائي فلنتعلم الانتهازية في شراء الكتب، ولا ننظر لتلك التفاهات التي تُصدعنا بها دور النشر من حقوق وواجبات.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد