نظرية النشوء والارتقاء لصاحبها تشارلز روبرت داروين، ما فتئت تثير جدلًا بين العلماء والمفكرين. منهم المؤيد لها ومنهم المعارض. وبعيدًا عن صحة هذه النظرية من عدمها، إذ ليس هذا من اختصاص المقال، أحببت أن أنوه عما أحدثته هذه النظرية عندما ظهرت في الوطن العربي منذ ما يقرب من مائة وخمسين عامًا من جدل واسع بين مفكرين ومشايخ. برزوا من رحم التأخر الفكري وقرروا أن يناقشوا ويأخذوا ويردوا من النظريات العلمية ما يتفق مع عقائدهم الدينية والفكرية على اختلافها.

أول من أدخل النظري

الثابت أن شبلي شميل المفكر اللبناني المتوفى عام 1917، هو أول من تحدث عن نظرية داروين، وذلك عام 1871 عندما قال: “كنت أدرس الطب في المدرسة الكلية السورية، وسمعت أن رجلًا ـ تشارلز داروين ـ ادعى أن الإنسان كان أصله قردًا؛ فاشمأزت نفسي مما سمعت، ومن قائله الذي ظننته ما خالف إلا ليعرف، وبعد رحلتي إلى أوروبا واطلاعي على هذا المذهب من مؤلفات أصحابه أدركت حقيقته”.

يقول سلامة موسى المفكر المصري عن شبلي شميل: “كان رجلًا كبير الذكاء، محدود المعارف، وكان يعتمد على الحجة المنطقية، أكثر مما يعتمد على البينة العلمية. وكان من حيث المزاج والتعليم والمعيشة أوروبيًا خالصًا، وكان يحمل ـ ينتقد ـ على عادات الشرق، وكان متدينًا بالديانة البشرية”.

المعسكر الفكري المعارض

انبرت أقلام المفكرين المحافظين مسلمين كانوا أو مسيحيين والشيوخ الأزهريين لدحض هذه النظرية، منهم الأستاذ محمد فريد وجدي الذي ألف كتاب “الإسلام في عصر العلم”، والشيخ طنطاوي جوهري الذي ألف كتاب “نظام العالم والأمم”، وجمال الدين الأفغاني الذي ألف “رسالة للرد على الدهريين”، بينما ألف إبراهيم الحوراني وهو مسيحي سلفي كتابين الأول بعنوان “مناهج الحكماء في نفي النشوء والارتقاء”، والثاني بعنوان “الحق اليقين في الرد على بطل داروين”.

المعسكر الفكري المؤيد

من المؤيدين لهذه الفكرة مفكر يدعى يعقوب صروف، الذي أنشأ مجلة المقتطف في الشام عام 1876، قبل أن تنتقل إلى مصر. وحافظ إبراهيم، وإميل زيدان، وأنطون الجميل. أما المفاجأة الكبرى فكانت في الشيخ محمد رشيد رضا صاحب تفسير المنار للقرآن الكريم؛ فأفزع بهذا التأييد أو ـ لنقل التطويع ـ مشايخ الأزهر. وتفرغ واحد منهم اسمه عبد الباقي سرور للرد عليه؛ حتى وصل الأمر بهما إلى الوقوف في ساحات القضاء.
لماذا كل هذا الهجوم على رشيد رضا

لقد طوع رضا النظرية بحيث يرضي بها المهاجمين لها، ومن ناحية أخرى يدرأ عنهم تهمة التخلف والجمود فوقع في ما لا يحمد عقباه عندما قال: “إنه لا تعارض بين نظرية النشوء والارتقاء وما جاء في القرآن الكريم”، واستشهد بآية (يأيها الناس اتقوا ربكم الذي خلقكم من نفس واحدة)، وفسرها على أن الله لم يحدد ماهية هذه النفس وأن لكل أمة أن تحددها كما تشاء.

دور مجلة المقتطف في نشر المذهب الدارويني

نستطيع أن نقول: إن المقتطف هي عراب الترويج للمذهب الدارويني في الوطن العربي؛ إذ إنها نشرت على صفحاتها مقالات لا تحصى لكثير من معتنقي هذا النظرية خاصة الشوام، ابتداءً من عام 1882 إلى عام 1911. وكان لها خط سير محدد الملامح، بدأته بعرض مقتبس من حياة تشارلز داروين، ومجموعة من العلماء، ممن اهتموا بذات النظرية. بل وعرضت أفكار علماء آخرين صاغت الداروينية أفكارهم في قالب جديد مثل: هربرت سبنسر، وفريدريك نيتشة. لقد قدمت المقتطف نظرية داروين على أنها قانون الانتخاب الطبيعي، أي أن الطبيعة تنتخب الأصلح للبقاء عن طريق التزاوج الجنسي، أو صراع البقاء.

والقانون الأول فيه هو أن الإنسان والحيوان والنبات من أصل واحد، قام بالتطور إلى أن وصل إلى هذا التنوع. والنقلات التي أدت إلى هذا التنوع تتمثل في تحول الجماد إلى نبات؛ واستدلت المقتطف على ذلك بتحليل مادة البلازما، التي وجد العلماء أنها تتكون من مركبات كيميائية، ثم تحول النبات إلى حيوان، مثل إسفنج البحر والنباتات المفترسة. واختتمت المقتطف عرض النظرية بأن قالت: إن الإنسان والقرد ينحدران من أصول واحدة لكنها منقرضة. وبغض النظر عن صحة النظرية من عدمها كما قلت في البداية، يكفي النظرية وصاحبها فخرًا أنهما استحثا العقول على التفكير في أصل الأشياء.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد