لقد هاجر عشرات الآلاف من العرب والمسلمين إلى الغرب طلبا للأمن السياسي أو الاقتصادي، والعدد الكبير من هؤلاء المهاجرين حصلوا على حق الإقامة في الغرب عن طريق اللجوء السياسي أو الإنساني، أما الباقين فإما حصل على الإقامة عن طريق الزواج من امرأة غربية أو بمساعدة أحد الأقرباء، حيث يمكن أن يحصل الإنسان على إقامة في الغرب تحت عنوان (جمع الشمل الأسري) الذي كان معمول به في بعض الدول الغربية سابقا والملغي حاليا في كل الدول الغربية بعد توحيد قوانين اللجوء السياسي والإنساني في دول الاتحاد الأوروبي.

لكن لم يتمكن هذا الكم الهائل من العرب والمسلمين من الانخراط في أسواق العمل الغربية، التي ضاقت ذرعا حتى بالمواطنين الأصليين، والذين باتوا يعانون من حالة بطالة قاتلة لم تتمكن حتى الآن المنظومة السياسية الغربية من وضع حد لها، وهكذا وجد المسلمون أنفسهم في الغرب على الهامش أي مواطنين من الدرجة الثانية، وبتعبير آخر وهو المتداول الآن في الغرب عموما وبشكل كبير، حيث يعتبر أن المهاجرين العرب والمسلمين يعيشون (عالة) على الضرائب التي يدفعها الغربيون لصالح بلدانهم، والتي تدفع بدورها لهؤلاء العرب والمسلمين المهاجرين على شكل مساعدات ومعونات اجتماعية تقدم شهريا لعوائلهم.

لكن السبب وراء عدم انخراط حوالي ثلثي المسلمين في الغرب في أسواق العمل الغربية مرده إلى العنصرية الشديدة لأرباب العمل الذين يوظفون غربيا من طينتهم، وخصوصا بعد أن أشيع بأن العربي والمسلم وبمجرد انضمامه إلى وظيفة ما يشرع في التغيب عن العمل لدواعٍ صحية ثم يقدم شتى المبررات للحصول على ما يعرف بالتقاعد المبكر، هذا بالإضافة إلى أن أرباب العمل يفضلون منح الوظائف لغربيين ومواطنين يفهمون القوانين السائدة في الغرب.

وهكذا وجد عشرات الآلاف من العرب والمسلمين في الغرب أنفسهم في قوافل العاطلين عن العمل، فتبددت بذلك أحلامهم التي كانت تدور في مخيلتهم قبل الهجرة إلى أوروبا وأمريكا، حيث لم تتمكن أسواق العمل من استيعاب هذا الكم الهائل من البطالين الوافدين من العالم العربي والإسلامي، وقد تشارك في هذه النكبة المتعلمون من حملة الشهادات العليا مع غيرهم من الذين لم تطأ أقدامهم مدرسة ابتدائية في بلادهم، ولعل محنة حملة الشهادات العليا من العرب والمسلمين أشد من محنة غير المتعلمين، باعتبار أن الفئة الثانية يمكن أن تقبل أي عمل يعرض عليها من قبيل التنظيفات وغسل الأواني والعمل في المطاعم وغير ذلك من الأعمال التي قد لا ينسجم معها حملة الشهادات العليا، والذين هم أيضًا اضطروا مع الوقت وعوز الحاجة إلى تغيير اختصاصاتهم، فأصبح الطبيب بائع ثياب والمهندس سائق حافلة والباحث الاجتماعي منظفا في المحلات الكبرى وغيرها الكثير …

ويذكر هنا أن من المهن التي برع فيها المهاجرون، مهنة (بائع متجول)، وذلك بشكل كبير وملفت للنظر، إلى درجة أن العديد من الباعة المتجولين من المهاجرين القادمين من العالم العربي والإسلامي، أصبحوا علامات مميزة في الساحات العامة في أوروبا، حيث تخصص هؤلاء والذين منهم المتعلم والأمي في بيع الزهور والورود وبيع النقانق وغيرها، بالإضافة إلى بيع الخضروات والفواكه تحت خيام تشبه إلى حد كبير خيام الأسواق الشعبية في العالم العربي والإسلامي، ووصولا إلى بيع الثياب المستوردة، بحيث يتنقل الرجال أو النساء في المناطق التي تقطن بها أغلبية عربية وإسلامية لبيع بضائعهم.

ولكن الظاهرة الملفتة للنظر هي ازدهار مطاعم الفلافل الصغيرة في كل من أوروبا وأمريكا، حيث بات الإنسان الغربي يعرف بإتقان ما معنى الفلافل والحمص إلى درجة أن أحدهم قال إن محلات الفلافل العربية ستكتسح محلات الماكدونالدز الأمريكية في المستقبل القريب.

هذا وقد أظهرت نتائج تحقيق مع العديد من الباعة العرب والمسلمين في هذه الساحات العمومية أن هؤلاء المهاجرين مضطرون للقيام بهذه الأعمال لأنها البديل الوحيد المتوفّر لديهم، ومع الأزمة الاقتصادية التي باتت تعصف بكل أوروبا وأمريكا أصبحت البطالة شبحا يهدد الغربيين أنفسهم فما بالك بالوافدين!

ففي ظل عدم قدرة أسواق العمل الغربية على استيعاب هذا الكم الهائل من البطّالين العرب والمسلمين، والذين يعيشون بفضل المساعدات الاجتماعية الشهرية المقدمة لهم من قبل البلديات المركزية، تصبح مهنة البائع المتجول أهم بديل وخصوصا بالنسبة للذين يريدون جمع مبلغ شقّة أو سيارة يشترونها في بلادهم ولا يهمهم كيف تجمعت الأموال.

ولكن هذا لم يمنع من تمكن بعض الباعة المتجولين من تطوير أعمالهم، فكم من شخص كان يبيع الخضروات تحت خيمة تحولّت خيمته إلى محل كبير، وكم من بائع متجول كان يبيع الورود فتح محلات، فيما أصبح بعض الشباب العربي الذي كان يبيع المواد البالية والقديمة في ساحة من الساحات في أوروبا أو في بعض المحلات إلى صاحب ملكية هذه المحلات أو المواقع.

أخيرًا نقول أنه عندما يتمعن الباحث في شؤون هؤلاء اللاجئين أو المهاجرين كما يحلو للكثيرين تسميتهم بذلك، يجد أن هناك خللا كبيرا في استيراتيجية إعادة دمج هؤلاء المهاجرين في الواقع الغربي في مختلف المجالات، وإبقاء الوضع على ما هو عليه دون إعادة النظر في هذه الاستراتيجية جعل الكثير من المهاجرين يعتقدون أن السلطات الغربية لا تفكر مطلقا في طبقة المهاجرين بقدر ما تفكر في ذريتهم التي يعول عليها أن تكون غربية ثقافة ولغة ومسلكية، وبالتالي يضمن الاستراتيجيون في الغرب القضاء على الخلل السكاني بعناصر مستوردة لكن غربية الهوى والهوية.

وهذا كله يجب أن يؤخذ أيضا بعين الاعتبار من مئات الآلاف من شبابنا في العالمين العربي والإسلامي، والذي يعيش على واقع حلم الهجرة إلى الغرب، متصورين أن هذا الغرب الجميل والذي يشاهدونه في الأفلام والمسلسلات الغربية، حيث الحدائق الغناء والشقروات الجميلات والسيولة المالية الكبيرة والفرص المدهشة للثراء الفاحش، موجود فعليا على الواقع في البلدان الغربية، حيث أنه وبسبب هذا التأثير الإعلامي بات جل شبابنا يفكرون في الهجرة إلى الغرب، وذلك بعد أن تمكنت الماكينة الإعلامية الغربية وبمساعدة من الإعلام العربي والمسلم الجاهل إلى حد كبير من إحداث انشطار في شخصية الإنسان العربي والمسلم إلى درجة أن جسمه في الجغرافية العربية والإسلامية وعقله الباطن والظاهر في الجغرافية الغربية، فيما أن الغرب من الداخل غيره من الخارج، بمعنى أن الصورة الوردية الموجودة في ذهنية الكثير من شبابنا وشاباتنا عن الغرب ليس هي الصورة الحقيقية الفعلية للغرب، صحيح أن الغرب استطاع أن يقيم نظام مؤسسات ويوفّر ضمانات ما للعمل السياسي والإعلامي وغير ذلك، غير أن الجوانب الأخرى تحمل الكثير من السوداوية.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

المصادر

الدكتور يحيى أبو زكريا
عرض التعليقات
تحميل المزيد