بعد تسيد نتائج ثورات الشعوب في عدد من البلدان، من الملاحظ في الآونة الأخيرة بعموم الوطن العربي، هذا الوطن الذي نُسج حبه في داخلنا من الحكومات القومية، والشخصيات الوحدوية، وأبطال العقود الماضية، الذين استحالوا اليوم طغاة في نظر بعضهم، يشهد موجة من الثورة الشبابية، والتمرد العنيف سياسيًّا وفكريًّا وحتى ثقافيًّا، نوعًا من التماشي مع العصر الحديث، وسباق الزمن، وبشكل متوازٍ تنشط تيارات سياسية دينية ذات تأثير كبير لتقف بوجه الموجة التنويرية، كما يحب أصحابها أن يطلقوا على أنفسهم، تتسارع الأحداث، وتحتدم النقاشات بين الطرفين؛ لأن مصير المرحلة المقبلة يعتمد على تنظير الجهة المنتصرة.

هذه المواجهة أصبحت كارثية نوعًا ما؛ إذ إن الخاسر الأكبر كان الإرث العربي الحضاري والتاريخ الإسلامي المتعدد الثقافات، فبين تيارات إسلامية متشددة حصرت وجود الأمة العربية والمواطن العربي بالعقدة الميثولوجية والإيديولوجيا التي تحملها كنصوص مقدسة واجبة التنفيذ، وإن كانت غير ملائمة أصلًا لعصرنا الحالي، لكن الأشخاص والكيانات التي تتبنى هذا الفكر مصرة على بقائه، فهو منفذ للسلطة لا يمكن تفويته، وبين تشدد وتزمت في نقد الماضي العربي دون هوادة، بممارسة لجلد الذات يقودها بعض منظري التنوير والتجديد في بلادنا، بين تلاطم الأمواج الفكرية هذه يبقى التاريخ العربي الإسلامي بريئًا من الطرفين، بل لم يجد من ينصفه، رغم أنه بريء من كل ما يتهم به على أرض الواقع.

فأمام التيارات المتزمتة والمتشددة نرى مرونة اكتنفت كل جوانب الإمبراطوريات الإسلامية على اختلافها، بالتعامل مع مقتضيات الواقع، وفي الوقت نفسه ترد تهم المتنورين جزئيًّا حول تأثيرها على العالم.

فبين الفئتين التي ترى هذه الأمة دموية وجامدة الأوردة، يمكننا أن نحلل بشكل بسيط وخالٍ من القدسية الدينية كنوع من الحياد، نشوء هذه الحضارة.

نقل النبي محمد العربي سكان الجزيرة بدعوته الجديدة، ودولته الفتية، من التشتت بين رمال الصحراء إلى أمة متكاتفة، لها طموح يفوق التجارة والطواف حول البيت بمكة؛ فقد أعطاهم وازعًا روحيًّا لتأسيس نواة لإمبراطورية ستمتد من الصين إلى إسبانيا، تحولهم من سكن الخيم إلى المدن والقصور، تغير اهتماماتهم من قرض الشعر إلى ترجمة الكتب العلمية اليونانية والفارسية، والزيادة عليها؛ لتكون مكتبات عامرة بأنواع العلوم، تمددت هذه الإمبراطورية الفتية لتدفع الدولتين العجوزين حينها؛ الفارسية والرومانية، ولتبني على أنقاضهما حكومة جديدة بمبادئ أخرى بفن عمارة يختلف عما شهدته تلك المدن سابقًا، وبنخبة ثقافية وعسكرية لها تأثيرها القوي على بوصلة الأحداث بتلك الأزمنة.

حتى النزاعات تطورت واختلفت؛ فبعد أن كان هؤلاء القوم يتحاربون من أجل ناقة، بات الخلاف بينهم على الملك ورقعة الأرض والموارد إذا نظرنا لها من هذه الناحية سنرى أن الحضارة العربية الإسلامية كانت مثل أي إمبراطورية رأت النور يومًا كالبابلية، والآشورية، والفرعونية، والرومانية، والفارسية، فلا يوجد داعي لأن تكون مرمى سهام من المتنورين أو المنقلبين على أحكام المجتمع، بتقبيحها والتنفير منها، رغم أنها كانت مؤثرة بشدة حتى على الغزاة الطامعين بها، كالمغول الذين حطموا الخلافة العباسية، ثم ما لبثوا أن أصبحوا حماة لواء الإسلام والحضارة العربية، وكذلك لا يمكن أن يغمسها المتشددون بأنهار دمائهم؛ فهي التي تقبلت الجميع داخل حدودها، ولم تقس إلا بما شاهده التاريخ من غيرها من الدول؛ فالقسوة معروفة بلمحات من كل حضارة، ولم لا ينظر إلى الإشراقات المنيرة، والإنجازات التي وصفها المستشرقون أنفسهم بذهول وانبهار وإعجاب، لقد كانت فعلًا نقلة بحلقة الزمن وجزء من العمر البشري المديد، الذي يزخر بالجمال والضبابية.

فمتى ينصف العرب حضارتهم وإرثهم من الدموية ومن جلد الذات؟

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

تعليقات الفيسبوك