تواترت الأحاديث النبوية والآثار الشرعية عن المهدي المنتظر الذي سيملؤها عدلًا كما ملئت جورًا عند كل مذاهب المسلمين، بل حتى في أكثر من ديانة يوجد مهدي منتظر، الذي يشد الانتباه حقيقة هو أن كل الديانات والمذاهب التي تعتقد بهذا كأنها تهدد الآخرين من غير أتباعها بالرجل الذي سيأتي ليقتص لهم ويحقق لهم الغلبة والنصر، حتى انطبق هذا على الأمة العربية المسلمة الـتي ما فتئت تتعلق بكل قشة ترجع لها أمجادها الضائعة في قعر التاريخ الذي لا يعترف ألبتة بالماضي، إلا كحكاية تروى لرفع المعنويات، لكن أساسه العبرة بالحاضر.

الرئيس الراحل صدام حسين حيك حوله عدد من الأساطير في حياته بسبب الطبيعة السرية التي حكمت نظامه، والغريب أكثر الأساطير التي تداولتها الشعوب العربية حول اعتقاله، وكأن العقلية العربية لا زالت تعيش سيرة عنترة والزير سالم والبطل الذي لا يقهر؛ فالناس وقفوا غير مصدقين لصور اعتقاله، بالرغم من تأكيد ابنته الكبرى أن الرجل أبوها، وانتشرت الشائعات والأقاويل عن الشبيه، وأن صدام لا يزال يقاوم الاحتلال إذ يستحيل القبض عليه، والذي يحدث مؤامرة عالمية لضرب أمجاد الرجل ومن ورائها أمجاد الأمة، إلى غاية محاكمته التي وقف فيها حقيقة بكل شجاعة، فقيل حينها: إن الشبيه يتقن دوره كما دربوه، وأن القائد يقاوم ليحرر العراق من الاحتلال!

ودامت المحاكمة سنوات حتى جاء خبر إعدامه ليزيد من وقع الصدمة على نفوس الشعوب العربية ليقع عقلها الجمعي ضحية خلق واقع جديد من الوهم للهروب داخله، وأن الذي أعدم هو الشبيه، وهو واجب قدمه في سبيل القائد الذي يقاتل. والمطالع للإنترنت اليوم يرى مئات التسجيلات الصوتية تحت عنوان: العاجل الذي يبشر باقتراب خروج القائد والمقالات الصحفية والكتب التي تظهر أن المعتقل والمعدم ليس صدام، ثم تسجيلات لصدام نفسه يتحدث فيها عن قضايا راهنة ويتوعد المحتلين بالقصاص القريب واللافت حقًا أن عدد المشاهدات تقترب من الملايين.

العقيد القذافي أيضًا نال نصيبه من الأمر، وإن كان على نطاق ضيق، خاصة بين أنصاره والمتعصبين له بأن الذي قتل هو الشبيه، وأن القائد يعد العدة للخروج وتحرير ليبيا.

كل هذا يستدعي منا وقفة طويلة متأملة في طريقة ومنهجية تفكير العقل العربي الذي يتهمه الغرب دومًا بالقصور وتصوره أفلام هوليود في صورة نمطية، فهو إما شهواني فاسد أو إرهابي رجعي، فكما أسلفت بقي تفكير الشعوب العربية منحصرًا في جلسة تروى فيها سيرة بطل ما تستقطر البطولة من أي شيء وفي كل شيء، مما نجم عنه تهافت مروع على ضد التفكير المنطقي لتصديق مثل هذه الترهات، وكأن العقل العربي مصمم على خلق عالم وهمي قوامه رجوع بطله الملهم.

البطل الملهم –الحاكم- هو نفسه الذي رعى وحرص على تغذية هذا النمط من التفكير بتنصيب نفسه عقلًا للشعب بمنعه كل بادرة من التفكير الذاتي للإنسان العربي؛ فأنتج أجيالًا تطبل وتهلل وفقط، فحتى الثورات التي قامت وأسقطت عروشًا ها هي اليوم تنصب من حكمها سابقًا بأثواب هي نفسها لم تتغير، كل هذا مورس عبر عقود طويلة فخلق وعيًا موازيًا للوعي السليم؛ جعل العربي في حنين مستمر للبطل المفكر الملهم الذي تعود على إنقاذه من الأشرار، وعند غيابه بحتمية الموت، ولأن الموت لا رجعة منه ها هي أسطورة الانتظار تتفشى وتتغلغل؛ لتصبح أكثر من مجرد أمل يعاش. في سنواته الطويلة اقتات ويقتات النظام العربي عمومًا على محور واحد: أن الذي درس وسكن وترقى في وظيفة هي بفضل الزعيم وسهره، كأنه فتح أبواب بيته للشعب ليتربى ويعيش ويدرس على حسابه، في تطبيق حرفي لكن مبالغًا فيه لنظرية غوبلز: اكذب ثم اكذب حتى يراها الناس حقيقة. هذا النهج المركز ساهم بفعالية في تطوير نظرية الانتظار والرجوع للرمز المنقذ حتى ولو غيبه الموت. فهل يفيق عقلنا الجمعي بصفتنا شعوب أمامها مسؤولية ضخمة تاريخية، ويدرك أنه ما من منتظر ولا جدوى من الانتظار؟

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد