ثقة مني بالسادة القراء أبدأ معهم بأمل أن يكونوا قد سمعوا عن المصطلحات الواردة أعلاه: العرب، والمسيرات اللاهبة المتشظية للعودة، وإعادة التدوير، وهي مصطلحات أرى أن جمعها في عبارة واحدة بات ممكنًا إذا أحسنت وضع الرابط الصحيح بينها، لتصبح جملة قابلة للفهم والتداول.

 

فكرت مليًّا، هل سأبدأ بالعرب؟ واقعهم وحالهم والاستبداد الذي دمّر عقول الشعوب ومواردها وقدراتها، وزرع الجهل فيهم حتى باتوا إلى الغرب أقرب، وإلى تناسي عروبتهم وهويتهم وشعاراتهم القومية والحمية، التي لطالما تغنوا بها كما فعل قدامى الشعراء، أم بهمومهم وجراحهم في صراعات الهوى والهوية، ومآسي التشرذم، والتأثر بالغرب، والتفرقة الداخلية بين أخ وأخيه وشعب وجاره، أم بم أستطيع البدء ومن أي رابط تحديدًا؟

 

ثم قررت العدول عن البدء بكلمة العرب، لأن الخلاف من سمة العرب! وتوجهت تلقاء إعادة التدوير بعد غضبي من نفسي نتيجة عجزي عن صناعة جملة البداية، فإعادة التدوير لكل أنواع النفايات مجال مهم في الحياة، لعلها تلبي لي بعض متطلباتي في التشوق والمعرفة.

 

السؤال الذي حاز مساحة من تفكيري هو: كيفية الربط بين مصطلحين متباعدين بمصطلح لا يمت لهما بصلة، ولكني وجدت أني مخطئ مجددًا!

 

فإعادة التدوير هي كلمة ربط، وليست مصطلحًا ثقافيًّا عامًّا بين مصطلحين متقاربين، فإعادة التدوير إذا وضعناها شبه جملة وتلوناها بشبه جملة أخرى هي: للعقل العربي، ستكون النتيجة مذهلة وهائلة، وستقودنا للمصطلح الثالث مباشرة، فإعادة التدوير للعقل العربي ستفرز مسيرة العودة بكل تأكيد.

 

أعجبتني فكرة الكلمات المتناثرة، فبدأت بعد نجاحي في الجملة الأولى بتكوين جملة ثانية، لعلي أنجح في ذلك، فبدأت بالكلمات على النحو الآتي: مسيرة العودة إعادة تدوير للعقل العربي، شخصيًّا أعجبني المصطلح، ولا أدري ما رأيكم فيه؟!

 

وبعد ساعة من لعبة الكلمات والدلالات، وجدت نفسي محاطًا بعدد لا بأس فيه من الجمل والعبارات الدلالية المهمة، التي تصب في خانة واحدة، هي أن العقل العربي بحاجة إلى قوة دافعة لتغيير سلوكه، وهويته، وتوجهاته، وضبط بوصلة حراكه، وبغير هذه القوة الدافعة التي شكلت مسيرات العودة عنوانًا جديدًا لها، سيبقى العقل العربي أسير القرارات الاستبدادية، وهو ما يعني ضرورة ملحّة لعرضه على مصطلح إعادة التدوير مجددًا، ليصلح للزمان والمكان والمستقبل!

 

إن ما عشناه سويًّا على مدى أسابيع، من التجدد في أساليب وألوان تعامل الفلسطينيين المحاصرين منذ عشرات الشهور والسنين في قفص هو الأكبر عالميًّا، وأسلوبهم في التأثير في الوجدان العالمي والضمير الإنساني، من خلال فهمهم للواقع، وبدئهم بالضغط على الجرح انتصارًا لحقهم الذي يراد التلهي به، كل ذلك أوجد هزة معرفية فكرية، هزئت بالصمت الرسمي، واستتفهت النخب العربية التي اشتهرت بالتطبيل والتزمير، وعصفت بكل وسائل الإعلام والإعلاميين، والسياسيين، والمطبعين الخائبين، على اختلاف أسمائهم ومسمياتهم، ودولهم وجوازات سفرهم.

 

هي مسيرات العودة، البداية والمسار، بداية الجمل المترامية المتناثرة، وبداية الضغط لتشكيل الضغط المطلوب لإعادة تدوير العقل العربي، والفهم العربي، والتعامل العربي مع الواقع، والتطلع العربي نحو المستقبل، ورفض معادلات الاستسلام والخوف من أمريكا وإسرائيل، والهرولة نحو التطبيع والاختباء خلف شعارات نصرة فلسطين والمتاجرة بقضيتها، لقد كانت البداية الفعلية والفاعلة، والكاشفة التي كشفت عورات الأنظمة والنخب والإعلام والمؤسسات الدولية، وبدأت تشكل الهوية الجديدة للمستقبل الشبابي، الشباب يقود بهمة، ويرسم الأمل برغم كل مظاهر القهر والحرمان.

 

قد يرى بعضهم ذلك مسحة من التفاؤل المفرط الذي لا يدعمه دليل، أو نظرة إلى الغد مع تناسي مآسي الواقع، فالعرب قد غابوا عن الوعي العام لعقود، واستوطننا الجهل والاستبداد واليأس، وباتت إشكاليات الواقع الاقتصادي والسياسي والاجتماعي تفرض نفسها بقوة على واقعنا العام، فعن أي شعارات ومتغيرات نتحدث؟!

 

إنها البداية بكل تأكيد، بداية البداية، وبداية النهاية، يفهم اليهود في العالم معانيها ودلالاتها، ويطأطئ العرب رؤوسهم طلبًا من الله بأن تمر ولا تتحقق أهدافها التي يفهمون مراميها ودلالاتها، ولكن هذه المسيرات قد فرضت نفسها على الواقع العربي، وستعيد تكوين النظرة الشبابية إلى الذات والقيادة السياسية، ومفاهيم السيادة، والوعي، والثوابت، فإما عودة إلى الهوية، أو ارتكاس في وهن الاستبداد للدفاع عنه حتى الرمق الأخير القريب.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

علامات

سياسة
عرض التعليقات
تحميل المزيد