انتهت الحضارة الإسلامية العريقة في الغرب بعد قرون من الحكم والتاريخ المشترك، وعند زيارة بعض المدن الأوروبية قد نلاحظ بعض الملامح العربية الإسلامية على مبانيها أو داخل أسواقها الشعبية أو في اللهجة العامية، ومن أشهر هذه المدن هي صقلية الجزيرة الإيطالية، والتي تعد الأكبر في البحر الأبيض المتوسط.

فتح هذه الجزيرة القاضي أسد بن فرات لتكون هذه الخطوة نهاية للحكم البيزنطي، وبداية لمرحلة استمرت أربعة قرون، وخلال هذه الفترة حكم المسلمون لمدة قرنين لتكون صقلية خير شاهد على الحضارة الإسلامية، كما يطلق على المرحلة الأولى من الحكم الإسلامي اسم العصر الأغلبي نسبة إلى دولة الأغالبة في تونس، أو لإفريقيا الأغلبية.

مع العلم، لم يكن المسلمون وحدهم من سارع في استيطان أرض صقلية، فموقعها الاستراتيجي الجذاب جعل شعوبًا مختلفة، مثل الإسبان والقوط والجرمان واليونانيين والرومانيين، يقيمون ممالك فيها.

الوجه الإسلامي لصقلية

عاصرت صقلية العديد من ثقافات العالم المختلفة، وكانت الثقافة الإسلامية من أكثر الثقافات تأثيرًا على هويتها، فمن الناحية الثقافية تجد البصمات الإسلامية في فن العمارة وعلوم الفلسفة واللغة، والموجودة حتى يومنا هذا.

حيث يرى البعض أن فترة حكم المسلمين لصقلية لم يكن بالمفهوم التقليدي، بل كان عاملًا مهمًا في تأسيس الثقافة الصقلية وفي نسج تقاليدها الاجتماعية، وخاصة بفضل التونسيين والذين يعدون أكثر الشعوب احتكاكًا بسكان هذه المنطقة للقرب الجغرافي والتاريخي.

ومن ناحية أكثر عمقًا، يمكن توضيح الأثر الثقافي العربي على صقلية في عالم الطهي الذي جمع بينهما من خلال أسلوب الطهي وبعض الأطباق المشتركة.

وبهذا الخصوص، يقول فرانشايسكو ليجو الباحث الإيطالي في الحضارة واللغة العربية: تقريبًا كل ما يطبخ في البيوت الصقلية وخاصة في بالرمو هو ذاته الذي يأكله عرب شمال إفريقيا بنسبة البهارات نفسها والمذاقات ذاتها والألوان التي يحبها سكان تلك المنطقة.

كما أكد ليجو التشابه بين المطبخ الصقلي والمطبخ العربي المغاربي، وذلك لأن جذور العرب المسلمين ضاربة في المنطقة منذ أكثر من 1200 سنة، وخاصة التونسيين الذين عملوا على ازدهار صقلية.

شوارع صقلية بأسماء عربية

أما فيما يتعلق بمعالم الشوارع في الجزيرة، فكما يجد الزائر منازل قرية سيدي بوسعيد التونسية السياحية، يجدها تمامًا في شارع العطارين في بالرمو، وهي شبابيك مقوسة تخرج عن استقامة الجدران ذات اللون الأزرق القاني، والمزركشة كمباني الأمويين.

شارع العطارين لا يحمل هذا الاسم العربي فقط، بل يرقد في منتصفه دكاكين العطارين فعلًا، كما في أسواق مصر وبلاد الشام، يبيع فيها العطارون الكثير من أنواع البخور والعطارة والبهارات التي توجد على طاولات المحلات خارجًا، والمثير أن أغلبها ممتلئة بالأعشاب العربية المعروفة كالزعتر والإكليل والميرامية والنعناع المجفف وغيرها.

ويتحدث الباعة عن هذه الأعشاب التي يبيعونها للسكان الصقليين الذين يستعملونها للتداوي عوضًا عن أدوية الصيدليات، التي اعتادوا عليها منذ قدوم العرب إليها، كما يوجد شارع آخر اسمه زقاق الكسكسي، وهو زقاق عتيق على شاكلة الأزقة العربية في تونس على اسم الأكلة المغاربية الشهيرة.

الأجواء العربية لا تتوقف هنا، بل يستمع السائر بين الأزقة إلى موسيقى تشبه المألوف المغاربي، التي تعود إلى زمن خروج العرب المسلمين من الأندلس.

ومن أكثر ما يثير اهتمام الزائر العربي، والمسلم تحديدًا إلى صقلية، هو وجود الآيات القرآنية التي كتبت على كاتدرائية مدينة بالرمو بأحرف مرسومة بالخط المغربي.

والأغرب من ذلك هو وجود أكثر من كاتدرائية كانت مسجدًا بني على طريقة المهندسين العرب القدامى الذين فتحوا المدينة قبل أن تتحول إلى كاتدرائية، مثل مسجد الجمعة الكبير الذي كان يقع في حي يدعى الكاسر، أي القصر.

وهذا ليس الحي الوحيد الذي احتضن الحضارة الإسلامية، بل هناك حي كالسا أي الخالصة والذي احتوى على مجموعة من الحمامات والمساجد والمكاتب الخاصة بالحكومة.

اللهجة الصقلية.. أحرف لاتينية وكلمات عربية

وعند الحديث عن اللغة، فلا بد من معرفة مدى تأثر اللغة الصقلية في اللغة العربية؛ وذلك لكون اللغة واحدة من أهم المؤشرات الثقافية والاجتماعية التي تميز شعوب العالم وحضاراتها عن بعضها البعض.

يستطيع الزائر العربي لجزيرة صقلية، وخاصة في بالرمو، أن يفهم الكثير من الكلمات المستخدمة بين سكان المنقطة؛ بسبب وقوع صقلية تحت الحكم العربي الإسلامي لفترة طويلة من الزمن، إذ توجد في اللغة الصقلية حوالي 500 كلمة لها أصول عربية.

من بين أبرز الكلمات: برطمان (burnia)، زبيب (zibbibu)، زعفران (zaffarana)، زقاق التي تعني الشارع الصغير، وكلمة (مسكينو) التي تعني المسكين.

وهذا ليس فقط ما قدم المسلمين لهذه الجزيرة الأوروبية، فلقد نقلوا الكثير من المعارف والصناعات التي اعتمد عليها سكان الجزيرة لسنوات طويلة مثل تطوير نظام الري الروماني، الذي ساعدهم على تحسين الإنتاج الزراعي، وشجعوهم على زراعة الحمضيات التي لم تكن معروفة في ذاك الوقت، مثل البرتقال والليمون وقصب السكر وشجر التوت.

كما علموا سكان صقلية على تربية دودة القز والحصول على الحرير، وزراعة القطن، كما أدخلوا إليها شجرة النخيل لأول مرة وكذلك زراعة البطيخ الأحمر والأصفر.

وبعد سنوات من المعارف والمعاملات بين الطرفين، نجحت صقلية بأن تكون حلقة الوصل بين الثقافتين الشرقية والغربية، والتي أسهمت بشكل كبير بنقل الحضارة العربية إلى البلدان الأوروبية التي تقدمت بسببها، فضلًا عن كونها مركزًا لحضارات العالم المتعاقبة التي استعمرت هذه الجزيرة تاركة وراءها إرثًا عظيمًا لسكانها.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد