نعم إنهم الفيسبوكيون العرب، بكافة أطيافهم كبيرهم وصغيرهم، أنثاهم وذكرهم، المسئول والمواطن، المعارض والموالي، التاجر والمستهلك، الكاتب وصاحب المعلومة والمتابع، شريحة كبيرة من مجتمعنا العربي وجدت ضالتها في هذه الوسيلة التي تحولت من وسيلة تواصل اجتماعي ترفيهي بالدرجة الأولى إلى أداة ثورة ومحاسبة أسقطت أنظمة مستبدة وفضحت ممارسات خطأ وشاذة، لكنها وفي الوقت نفسه كانت أداة هدم لا بناء وفضيحة لا نصيحة، استخدمها الجميع وكل حسب هدفه وغايته، فأنشئت ملايين بل مئات الملايين من الحسابات الحقيقية والوهمية، إضافة إلى الصفحات والمجموعات التي غطت كافة نواحي حياتنا الصاخبة أحيانـًا والرتيبة المملة أحيانـًا أخرى، فكانت انعكاسًا للمزاج الديني والسياسي والإعلامي والاقتصادي والمالي والعسكري والفني والاجتماعي السائد، حتى باتت وسيلة من وسائل قياس الرأي العام ومدى رضاه أو سخطه على كثير من القرارات والسياسات الحكومية والخاصة على حد سواء.

مخطئ من يستهين بهذا الثقل الذي يمثله مرتادو مواقع التواصل الاجتماعي كالفيسبوك وتويتر، فصحيح أنه فضاء إليكتروني وواقع افتراضي إلا أنه فضاء ينقل الخبر والمعلومة وواقع تواصل رديف لواقعنا المعيشي، فهذه المواقع سهلت التواصل بين الناس ونقلت الخبر والمعلومة وروجت للسلعة التجارية والأفكار السياسية والمعتقدات الدينية وصنعت شعبية لأشخاص ما كانوا ليحصلوا عليها لو بقيت وسائل الإعلام على شكلها المعهود من قناة تلفزيونية وإذاعة وبضع صحف حكومية لا تقدم إلا وجهة نظر واحدة تعمل على مبدأ لا أريكم إلا ما أرى وما أهديكم إلا سبيل الرشاد.

أكاد أجزم أن الأنظمة والحكومات هي الأكثر حزنـًا وألمًا وتعاسة ونقمة على الفيسبوك، كيف لا وقد استطاعت الشعوب العربية ومن خلال هذه الوسيلة تحقيق ما عجزت عنه الأحزاب على مدى عقود، حتى باتت هذه المنصات تعد على الجميع أنفاسهم وتحصي لهم زلاتهم وتفضح المستور من الخبايا والأمور، بل تكشف الجرائم والانتهاكات وفور حدوثها، حتى باتت سلاحًا بيد من لا سلاح له ومنبرًا لمن لا منبر له، بل تعدت ذلك لتصبح الأداة التي تخترق الغرف المظلمة والاجتماعات المغلقة فتسرب ما يحدث فيها من أحاديث ما كنا لنعلم بها لولا وجود المجتهدين من المغردين والمطلعين على خفايا ما يحدث.

لقد طغت شعبية هذه الوسيلة حتى باتت ضرورة حياتية لا غنى عنها للكتابة ونشر الخبر وتثقيف المجتمع، بل حتى للترويج للحملات الانتخابية ومرشحي الرئاسة والأحزاب في معظم دول العالم، وما زاد من شعبيتها في منطقتنا هو الثقة المفقودة بين الأنظمة والشعوب، التي مكنتها وسائل التواصل الاجتماعي من كسر الحواجز وتحييد الرقيب، حتى بات الفيسبوك في الحالة العربية أداة سياسة وإعلام وثورة أكثر منه أداة ترفيه وتواصل اجتماعي كما هو الحال في الغرب.

إن نظرة سريعة على واقع مستخدمي فيسبوك العرب ستبين لنا مدى الارتباط الوثيق بين الفيسبوك ومتصفحيه الذين اختلفت دوافعهم وأسباب استخدامهم له، فمن الباحثين عن التسلية والمتعة والعلاقات العاطفية مع الجنس الآخر إلى الكاتب والفنان والسياسي وصولاً إلى الشركات والمؤسسات الإعلامية التي أدركت حجم التأثير الكبير لهذه الوسيلة إعلاميًا وضرورة استغلالها في الترويج للمنتج والفكرة.

الفيسبوكيون ليسوا سذجًا ولا قطيع أغنام لأنهم وباختصار أمم وشعوب بات بمقدورها الوصول إلى المعلومة وتمييز الخطأ من الصواب، والأهم من هذا وذاك أنها ولأول مرة باتت قادرة على تشكيل رأي عام ضاغط كثيرًا ما دفع المسئولين والقادة من سياسيين وعسكريين وعلى اختلاف مستوياتهم للنزول من أبراجهم العاجية والرد على منتقديهم وتفسير حدث ما أو تبريره، وهو ما لم يكن بالإمكان حصوله لولا هذه الوسيلة الإعلامية الهامة التي استطاعت قلب كثير من المفاهيم والتصورات النمطية السائدة في منطقتنا لعقود.

صحيح أن للفيسبوك إيجابيات كثيرة كما ذكرنا آنفـًا، لكنه أيضًا لا يخلو من العيوب والسلبيات التي يمكن إجمالها في عدد من النقاط لعل أهمها التأثير السلبي من الناحية الاجتماعية وعلى شريحة كبيرة من مستخدميه، حيث أدى إلى تفكك العديد من الأسر نتيجة حالات الطلاق التي تسبب بها الفيسبوك، ليس هذا وحسب، بل إن الأمور قد وصلت في كثير من الأحيان حد التشهير بالآخرين ونشر أسرارهم أو صورهم وبشكل لا أخلاقي تسبب بحدوث فضائح لا يستهان بها.

الكثير من اليافعين من الفتيان والفتيات وحتى الكبار من عديمي الخبرة وقعوا ضحية أشخاص منحرفين قادوهم إلى مستنقع الجريمة ومهاوي الرذيلة والمخدرات، خاصة في ظل غياب الرقابة الأسرية نتيجة انشغال الآباء عن أبنائهم، وكم من شاب وشابة خسروا مستقبلهم بل حتى أنفسهم نتيجة ثقتهم بأشخاص ما كان ينبغي لهم حتى التعرف إليهم.

الابتزاز والتهديد بالتشهير هو أحد أقذر الوسائل التي سهلتها وسائل التواصل الاجتماعي، خاصة في ظل غياب الوازع الديني والأخلاقي وغياب الخوف من المحاسبة، فعملية التشهير قد لا تحتاج لأكثر من حساب وهمي تنشر عليه الصور والمعلومات فيتلقفها الأشخاص والصفحات والمواقع وحتى المحطات الإخبارية الكبرى منها والصغرى.

العديد من الدراسات أثبتت أن الاستخدام المفرط والطويل للفيسبوك قد يسبب حالات من الاكتئاب وعدم الشعور بالرضا، ولعل أحدث دراسة في هذا المجال هي دراسة أمريكية أجرتها جامعة ميتشيغان، تظهر أن للفيسبوك علاقة مباشرة بانحدار الحالة المزاجية لمستخدميه، حيث خلصت الدراسة التي أشرف عليها علماء نفس إلى أن استخدام الفيسبوك يترافق فعليًا مع تراجع في السعادة وميل أكثر إلى الحزن والإحباط، وبحسب الباحثين فإن الفيسبوك، بوصفه موقعًا للتواصل الاجتماعي، يبدو ظاهريًا مصدرًا جيدًا لإشباع الحاجة البشرية نحو التواصل مع الآخرين، لكنه أيضًا يأتي بنتائج عكسية حين يقوض شعور الفرح والرضا عند رؤية صفحات العديد من الأصدقاء، أو الدردشة والرسائل، ليستبدله بالمزاج السيئ والحزن، خاصة عند تسببه بمشاعر غيرة أو حسد.

لعل المثل القائل خير الأمور أوسطها هو ما ينبغي الامتثال له وتطبيقه من قبل مرتادي منصة الفيسبوك، فكل ما زاد عن حده انقلب إلى ضده، فالاستخدام المفرط والخطأ لهذه الوسيلة قد يعطي نتائج سلبية على حياة المجتمع حتى مع كونه الوسيلة التي حشدت لثورات الربيع العربي وكثير من الأحداث على مستوى العالم فهي وكما كانت وسيلة حشد لثورات العرب كانت كذلك وسيلة حشد لدى الآخرين من حركات ومنظمات وتجمعات على اختلاف أشكالها وأنواعها حتى تلك المؤيدة للأنظمة وصولاً إلى الحركات العنصرية حول العالم.

لقد فرض الفيسبوك مع باقي وسائل التواصل الاجتماعي نفسه كمصدر شبه مجاني للمعلومة التي تطرق بابك وتأتيك دون كبير عناء وبحسب اهتمامك الشخصي، حيث بات بإمكان أي منا أن يلج الشبكة العنكبوتية ليبحر فيها باحثـًا عما يشبع رغباته أيا كانت، وهو ما يمكن أن يتسبب في الابتعاد كثيرًا عن الواقع المعيشي واليومي ليبقي العقول أسيرة ما يحدث في هذا الفضاء الإليكتروني الذي وجد فيه كثيرون ضالتهم، ليس من أجل المعلومة والربح أو الكتابة بل هروبًا من واقع لم يجدوا وسيلة لتغييره أو الخلاص منه، وهو ما يمكن اعتباره انعكاسًا للواقع المؤلم الذي وصلت إليه شعوبنا العربية التي تاهت في بحر من المآسي ليس آخرها ما يقدمه الإعلام الأصفر من قناعات وأفكار يهدف من خلالها إلى تزييف التاريخ وتحريف بوصلة الشعوب عن حقيقة ما يحدث.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

علامات

العرب, فيسبوك
عرض التعليقات
تحميل المزيد