لقد كتب الفرنسي “غوستاف لوبون” في مؤلفه “سيكولوجية الجماهير” ما مفاده أن العرب هم الذين علّموا العالم كيف تتفق حرية الفكر مع استقامة الدين. ومن خلال قراءة مفصلة في سيرة هذا المؤرخ يمكننا أن نفهم أنه كان واحداً من المؤرخين النادرين الذين خرجوا عن القاعدة، فبالنسبة له لم يكن هناك أي إشكال في الاعتراف بفضل الثقافة العربية على العالم، حتى أنه خصص مؤلفات فقط للحديث عن فضل العرب سواء في الحضارات القديمة أو في الأندلس. لذلك كان يجبن لفهم المقولة، العودة لهذه السّيرة، وهي المهمة التي من دونها كان يمكن اعتبار الرّجل إمّا انفصل عن حاضره تماماً والتزم بالموضوعية التي تفرضها عليه وظيفته كمؤرخ حتى يضع خلاصة مشابهة، أو أنه كان مخموراً أثناء الاعتراف بها.

كلّما أراد العرب تقديم العزاء لأنفسهم في موت الحضارة والإبداع فتحوا كتب التاريخ فوجدوا فيها ضالتهم. أو ذهبوا يبحثون عن المديح والإطراء في كتب المؤرخين الذين شكلوا الاستثناء في اللحظة التي كانت فيها أوروبا تغزو العالم بعجرفتها المعتادة. حتى أصبحنا الأمة التي تعيش في الماضي وتعجز عن إعادة إنتاج بعض انتصاراته. أمة بكاملها تتعاطى المخدر الوحيد الكفيل بجعلها ترفع رأسها لبعض الوقت أمام أقرانها: التاريخ !

لكن المثير للسخرية أن العرب علّموا العالم ونسوا أن يحفظوا دروسهم جيّدا، ويطبقوها لما بقي لهم من الحياة على هذه الأرض. لا عجب في أن يكتب الغربيون عنّا كلّ ذلك وأكثر، ما دام سيظل مدوّنا في كتب التاريخ فقط، وما دام الحاضر يبرهن أن عرب القرون الماضية انتهوا ولم يعد لهم أثر في التاريخ الجديد. وعلى العكس مما قد يبدو عليه الأمر، فأنا لا أرى في ذلك مديحا وإطراء، بل أراه إشارة إلى العجز العربي الحالي، وكأنهم يذكروننا دوماً بالهزيمة التاريخية عن طريق تعداد انتصاراتنا القديمة.

يجب أن تصدقوا أن العرب هم الذين وضعوا أسماء عشرات الآلاف من النجوم باستعمال المنظار وأدوات بسيطة في الوقت الذي كانت فيه أوربا تعيش في ظلمات الجهل، اعترف بهذا عالم الفلك الأمريكي والباحث في وكالة الناسا “نيل تايسون” في إحدى محاضراته. كما أنه عزى أسباب انهيار الحضارة الإسلامية كلها للقرن الثاني عشر حين قام أبو حامد الغزالي بتجريم الفلسفة والرياضيات قائلاً إنها من عمل الشيطان. كما حاول هذا العالم الفلكي تحذير أمريكا من الوقوع في نفس المشكلة في القرن الواحد والعشرين، وكان يقصد بذلك عودتها لنصوص الإنجيل والقول بأن الوحي يفسر كلّ شيء ومن ثم التخلي عن الطريقة العلمية في تفسير الظواهر.

كما يجب أن تصدقوا أكثر أن العرب استخدموا الدروس التي قدموها للعالم بطريقة معكوسة حين أرادوا القضاء على حضارتهم، وإخراج أنفسهم من العصور الذهبية. حتى إن مسألة التحريم وردت في الأندلس حين قام الخليفة المنصور بتوزيع منشور لمنع الفلسفة جاء فيه أنها من الزندقة والزندقة كفر. عند هذه النقطة بالضبط سأقوم بوضع مقولة “غوستاف لوبون” على المحكّ.

لقد كان العرب إذن أساتذة فاشلين والتاريخ يؤكد ذلك. لقنوا الدروس للعالم وتخلوا عنها في اللحظة الحرجة، ترجموا الكتب للعربية ووضعوها على الرفوف. وصلوا للحكم وألغوا العقل. وفي الوقت الذي كانوا ينعتون فيه الفكر بالزندقة لم تكن مجالس سلاطينهم تخلو من الممنوعات والطبلة والمزمار. إنها لحظة التخلي عن استقامة الدين ونبذ حرية الفكر، لحظة انفصام الشخصية العربية التي لا تزال تتحمل الأجيال الجديدة تبعاتها.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد