يتباين التناول الغربي للعرب والمسلمين في السينما العالمية، فما بين مشوه لصورة المسلمين، مهاجما تاريخهم وحضارتهم واصفا إياها بالبدوية والجهل, وبين صورة أخرى تحاول توصيف الواقع الإسلامي بتاريخه وحضارته بحيادية وحرفية.

 

من تلك الأعمال التي تناولت العرب والمسلمين فيلم “المحارب13” والذي قام ببطولته أنتونيو بانديراس ومعه الممثل المصري عمر الشريف وإخراج جون مكتيرنان وتم عرض الفيلم عام 1999م.

 

الفيلم مأخوذ عن رواية “آكلي الموتى” لمايكل كريتشتون والذي اقتبس روايته من قصة حقيقية في التاريخ الإسلامي, وهي رحلة السفير أحمد بن فضلان إلى بلاد الصقالبة والروس.

 

لكن رواية كريتشتون والذي اقتبس منها الفيلم حبكته تختلف في الكثير من التفاصيل والحقائق عن القصة الحقيقية لأحمد بن فضلان, الرواية التي صدرت عام 1974م, والتي قام مؤلفها بخدعة درامية قوية:

 

حيث ادعى عثوره على نسخة مفقودة لرحلة أحمد بن فضلان وادعى أن النسخة التي عثر عليها بها أجزاء غير موجودة في النص المتداول حينها, وقد قام كريتشتون بتقديم روايته تلك على أنها هي رحلة ابن فضلان الحقيقية، لكنه قام بعملية تشويه خبيثة تجاه البطل أحمد بن فضلان, مما أوقع المؤلف في خطأ فني عميق، وهو ازدواجية الوصف؛ فتارة نراه يصف ابن فضلان بالشجاعة وتارة بالجبن والخوف وقد انطلت تلك الحيلة على الكثير من الكتاب، فأخذوا يروجون لرواية كريتشتون على أنها قصة ابن فضلان الحقيقية.

 

وسوف نستعرض هنا الفيلم ـ المأخوذ عن رواية آكلي الموتي، ونستعرض القصة الحقيقية لأحمد بن فضلان.

 

فيلم “المحارب13”

يتناول الفيلم  قصة غضب الخليفة العباسي المقتدر على أحمد بن فضلان أحد رجال البلاط العباسي؛ بسبب وقوعه في حب امرأة أحد وزراء الخليفة، مما جعل الوزير يوغر صدر الخليفة عليه، ويقوم بإرسال ابن فضلان في سفارة إلى بلاد بعيدة (روسيا).

 

تتسارع أحداث الفيلم حتى يلتقي ابن فضلان بمقاتلي الشمال (الفايكنج) سكان الدنمارك والسويد حاليا. والذين تصلهم استغاثة من إحدى الممالك المجاورة لهم طالبة الغوث والنجدة من هجوم لكائنات وحشية تدمر قراهم وتقتل البشر.

 

يسارع مقاتلي الشمال بتلبية النجدة وتختار العرافة إثنا عشر رجلا من الفايكنج وتشترط أن يكون الثالث عشر رجل أجنبي فيقع الاختيار على أحمد بن فضلان.

 

في البداية ينظر الشماليون باستهزاء إلى ابن فضلان، لكن مع توالي الأحداث والمغامرات يحدث انبهار لديهم من ثقافته وشجاعته, حتى يكون ابن فضلان السبب في هزيمة الكائنات الخرافية، باكتشافه أنهم بشر يرتدون أقنعة وحشية وجلود حيوان ليضفوا على أنفسهم هالة من الرعب والغموض.

 

يختتم الفيلم بعودة ابن فضلان إلى بغداد بعد أن ترك أثرا طيبا وسيرة حسنة في تلك البلدان.

 

القصة الحقيقية لأحمد بن فضلان

تبدأ القصة الحقيقية بوصول وفد من ملك الصقالبة. وهم سكّان شمال القارّة الأوروبيّة، وكانوا يسكنون على أطراف نهر الفولغا، وتقع عاصمتهم بالقرب من (قازان) اليوم في خطّ يوازي مدينة موسكو. الذي دخل في الإسلام هو وشعبه طالبين الانضواء وإعلان الخضوع والتبعية للخليفة العباسي, لحمايتهم من يهود الخزر الذين عاثوا فسادا في مملكة الصقالبة, فاستجاب الخليفة العباسي المقتدر بالله وأرسل أحمد بن فضلان رئيسا لتلك السفارة التي ضمت وفدا إسلاميا رفيع المستوى شمل عدد من الفقهاء والمعلمين.

 

كان ابن فضلان كاتبا وأديبا، وأحد رجال البلاط العباسي والمقربين من الخليفة.

 

غادرت السفارة بغداد في الحادي عشر من صفر عام 309 هـ/ 21 يونيو 921م ووصلت إلى بلغار في الثامن عشر من المحرّم عام 310 هـ/ 12 مايو 922م حتى وصلت بلاد الصقالبة, بعد مرور بالكثير من البلاد والمدن التاريخية كمرو والري وهمدان وبخاري وبلاد الترك، ما يعرف حاليا بأذربيجان وكازاخستان وتركمانستان، وصولا إلى بلاد الصقالبة والدول الاسكندنافية, وقد استغرقت الرحلة حوالي أربعة سنوات.

 

استقبل ملك الصقالبة ابن فضلان بالود والترحاب، وأقيمت حفلة مهيبة أعلن فيها الصقالبة الانضمام والخضوع للخلافة العباسية وسط مراسيم واحتفالات عمت المملكة.

 

وقد قام ابن فضلان بالإشراف بنفسه على بناء مسجد كبير وتحصين بعض القلاع, وأخذ الفقهاء والمعلمون في تعليم الصقالبة أمور الدين الإسلامي وتفقيههم في الدين.

 

وقد مر ابن فضلان بالعديد من المغامرات والصعوبات أثناء رحلته، ووضع وصفا دقيقا لكل ما شاهده واصفا الديموغرافيا لتلك البلاد التي مر بها, وقد جمع كل تلك المشاهدات في كتابه الذي أسماه “رسالة أحمد بن فضلان” والتي كتبها بعد عودته من تلك الرحلة.

 

أثر رحلة ابن فضلان العلمي والثقافي

تعتبر سفارة ابن فضلان هي أول وصف موثق تاريخيا في تاريخ تلك البلدان, فتاريخ روسيا وما جوارها من تلك البلدان يعتبر غامضا خلال تلك الفترة, لولا الضوء الذي سلطه عليهم أحمد بن فضلان, حتى اعتبر الغرب رسالته مرجعا لهم في كتابة تاريخ تلك الحقبة، ومعرفة عادات شعوبها وطرق حياتهم، والتي وصفها ابن فضلان بدقة شديدة، كما وصف دياناتهم وحياتهم الاجتماعية.

 

مشاهد من الرحلة

كانت تلك البلاد التي مر بها ابن فضلان غارقة في ظلام دامس, سابحة في بحار الجهل والتيه مما أثار دهشة ابن فضلان، فانطلق قلمه يصف ويشرح ويحلل ما يراه من مشاهد مخيفة ومزرية، وجهل تملك عقول تلك الشعوب.

 

تحدث ابن فضلان عن عادة غريبة منتشرة في تلك البلاد، فعند موت أحدهم تقتل معه جارية لتخدمه في العالم الآخر، وتحرق جثتها معه.

 

كما وضح ابن فضلان انتشار ظاهرة القرابين البشرية في تلك المناطق، خاصة إذا كان القربان شخصا غريبا عن تلك البلاد.

 

كما وصف تجارة الروس وعملهم القائم على تجارة الرقيق، وبيع الفراء الذي يتحصلون عليه من الصيد.

 

كما تحدث عن دياناتهم الوثنية، وعدم معرفتهم بالأديان السماوية.

 

كما ذكر ابن فضلان مشاهدته لجثمان رجل عملاق طوله إثنا عشر ذراعا، يزعم أهل تلك البلاد أنه من يأجوج ومأجوج.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
s