أورد لنا التاريخ من قصص الخضوع والخذلان العربي، والتي يكاد بعضها أن يصيب المرء بالغثيان حين يتصفح أحداثها.

 

وعلى سبيل المثال وليس حصرًا، وبما يتناغم وحال الأمة اليوم, فحين غزا التتار بغداد قبل قرونٍ مضت, قامت مجندة مغولية برسم دائرة على الأرض بنصل سيفها, أحاطت بها أحد سكان المدينة, وأمرته أن يبقى داخل الأثر ولا يغادر الدائرة حتى تقضي أمرًا لها ثم تعود لتقتله, وبالفعل تسمر الرجل في مكانه حتى ساعات المغرب لتعود هذه المرأة وتقطع رأسه, هذا الشخص تجمدت لديه كل المشاعر وأصاب رغبته بالحياة الشلل, فاستسلم خانعًا منتظرًا ليتحسس رقبته حد السيف.

 

حال شعوبنا العربية اليوم هي امتداد لما كان عليه حال الرجل المذكور آنفًا, فقد سُلِبت إرادتها وباتت مسيرة غير مخيرة إلا في نوع وطريقة القتلة التي تنهي حياتها, ولربما كان أحد عروض الميتة هو أن تختار بين أن ترمي نفسها من الطابق الخامس عشر أو الطابق العشرين! لا فرق عند الجلاد فالنتيجة واحدة.

 

وللحديث صلة, حيث قال لي رجلٌ مزارع إنه لطالما كانوا يصفون الإنسان الخانع بأنه كالنعجة, حتى شاء القدر أن يرى بأم عينيه ذلك, فبينما كان يرعى أغنامه في إحدى بوادي الأنبار, وإذا بذئب يقترب من إحدى النعاج فضرب بطرفه على رأسها, فما كان من هذه النعجة إلا أن ركضت مسرعة ومستبقة الذئب صوب وكره مستسلمة لما قضي لها بأن تكون وجبة طعام له, دون أن تحاول الذود عن نفسها بالفرار والهرب.

 

نعم لا اختلاف, وكل من في قلبة ذرة إحساس وعاطفة لا يمكن أن يرضى بما تعرض له المدنيون في باريس من هجمات أودت بحياة العشرات منهم, فلا يجوز أن يؤخذوا بجريرة تصرفات ومواقف حكوماتهم, ولا أن يعاقب الأحفاد عما ارتكب الأجداد, فنحن لسنا في حرب كافة, لا يستثنى منها أحد.

 

ولكن ما يلفت الانتباه ويستوجب منا الوقوف عنده, هو تلك المغالاة التي بادرت بها جهات عربية رسمية وغير رسمية للتعبير عن تعاطفهم مع فرنسا, والإعلان عن دعمها وتأييدها لما تراه باريس مناسبًا للرد عما أصابها!

 

ولسنا هنا في محل الغوص في غمار الاستقصاء والتحليل عمن ارتكب هذا الجرم, بالرغم من أن المكنة المضادة قد سبقت كل قول قيل, حيث كانت في وضع الإحماء والاستعداد لتطلق العنان مع أولى الرصاصات لصرخات يمينها المتطرف الذي نال من الإسلام والعرب مناله, ليسارع المتحاذقون من المستعربين ليعلنوا البراء ويتشحوا بأعلام فرنسا, لاعنين وشامتين, ولصور ضحايا مسرح باتاكلان

باكين ومستبكين، ولمدة ثمانية عشر شهرًا على السوريين وبحسب قرارات فيينا يجب أن يبقوا مستنظرين، ولبراميل الأسد المتفجرة في السماء ناظرين، وبصدورهم لها متلقفين.

 

الواقع يقول أنْ لا السوريون ولا العراقيون ولا الفلسطينيون كانوا يراهنون يومًا على شيء اسمه الضمير العربي, فهو مستتر مجهول, ولكن ليعلم كل من بكى وتباكى على ضحايا باريس الأبرياء بحرفٍ كتبه أو عَلَم استبدله بصورته, بأنها ستكون رصاصة أو شظية صاروخ قد أباح زرعها في أجساد شعوبٍ أجواء بلدانها مستباحة لطائرات تحالفات دول ترى الأرض من تحتها كلها أوكارًا للإرهابيين.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد