إن أصعب ما يمر به العرب بعد عصور الاحتلال والحروب هو الاستبداد بأنواعه وذلك أمر طبيعي لما تعانيه أية أمة تريد أن تتحرر وتتقدم نحو مصاف الدول المتقدمة إنسانيًا ومعرفيًا وعلميًا.

 

ولكن يبقى العائق الأكبر عندما تعرقل مسيرات التحول الديمقراطي من خلال التصارع الأيديولوجي والإقحام السياسي لتفسيرات الدين مما يصعب المهمة ويجعلها شبه مستحيلة لأنك عندما تحارب هذا النوع من الاستبداد لا يلبثوا إلا أن يجعلوك مخالفًا لله! إلى جانب أنه مهما كان عدد المتدينين في الأمة فإن دور الدولة ليس توفير آليات التدين!

 

بل دورها توفير آليات التقدم الحضاري والعلمي والمعرفي والعسكري؛ وتوفير الحماية والعدل لكل أبناء الوطن احترامًا لهويتهم الوطنية فحسب حتى وإن لم يكونوا متدينين أو حتى مخالفين للإسلام؛ وليس بتقسيم أيديولوجي أو ديني طائفي يصنف الشعب، وتزيد التعقيدات في محاولة التخلص من الاستبداد عندما يكون الوطن به أكثر من دين واحد وأكثر من مذهب وأكثر من عرق وأكثر من أيديولوجية.

 

وهذه هي طبيعة الحال في أغلب المجتمعات الإنسانية والتي لا سبيل إلى إنهاء الاختلاف فيها بأي حال، لأنها سُنة الله قبل أن تكون واقعًا سياسيًا علينا التعامل معه في الدولة الحديثة.

 

نضيف إلى مشكلتنا الحالية في الدول العربية مشكلة الاستعداد الطائفي والاختراق الأمني الذي يجعلها عرضة للحروب الأهلية والتقسيم وذلك كونها مجتمعات متخلفة عن ركب التقدم وخارجة منذ فترات بسيطة من احتلال وحروب خارجية وأهلية، إلى جانب استمرار الاستبداد السياسي فيها والفساد في السلطة الدينية والقضائية، هذا يجعل تعامل الساسة مع الأمر من ناحية الدين أمر كسكب الزيت على النار!

 

من أكبر التحديات لقيام الدولة المأمولة في أي مجتمع عربي هو محاولة جماعات إسلامية تضييق حيز الاجتهاد وإقحام تفسيرات دينية ليست لها ثوابت متفق عليها في كل من تفاصيل الحكم ومؤسسات الدولة السياسية والدستورية وهي التي لا بد ألا تصطبغ بأي أيديولوجية أو تحيز من أي نوع كان، وفي هذا أشد الخطر على تفرغ الدولة لرعاية مواطنيها بغض النظر عن توجههم الفكري وفيه تكوين لطبقة دينية تجسد الإسلام ومن عارضه أصبح ضمنيًا معارضًا للإسلام!

 

حتى وإن لم يقصد المستخدمين للدين في السياسة ذلك، وحتى لو كان الإسلام ليس دينًا كهنوتيًا بطبعه إلا أن هناك من الجماعات المتكونة في الأمة ما تجعل من الإسلام تفسيرًا خاصًا بها وتعتمد في ذلك على أتباع يسمعون وينفذون، وهذا هو عين الكهنوت والتقديس للفهم الجمعي لتفسير ديني خاص بفئة دون الأخرى؛ ولعل التاريخ الإسلامي يعج بتلك الدول التي قامت على شعارات إسلامية في الحكم من أول العباسية والفاطمية وحتى القرامطة والموحدين والمرابطين وكل حكومة كانت تعد نفسها النظام الديني الأمثل للحكم وهم أبعد خلق الله عن ذلك النموذج الإسلامي!

 

وبناء على كل ما سبق وما أصاب العرب من انحطاط وما أصاب أمة الإسلام من استبداد منقطع النظير نخص به الآن معركة الاستبداد باسم الدين أي باعتقاد بعض المسلمين أن فكرهم لا بد أن يطبق لإصباغ الدولة نفسها بآرائهم الفكرية!

 

فإن الحل الجذري لذلك هو تطبيق العلمانية الجزئية في حكم الدولة وشكل مؤسساتها، وهذا لا يعني بأي حال معاداة الدين أو الانسلاخ منه لأن العلمانية الجزئية لا تعارض أصول الإسلام ولا ثوابته ولا تعارض أن يكون التشريع القانوني له مرجعية إسلامية أصلًا، وهي لا يقصد بها فصل الدين عن جوانب الحياة كلها أو عن فكر وأخلاق المسلمين والمنتمين لتلك الدولة بل قصدها الرئيسي هو الجانب السياسي في الحكم وإنهاء التصارع الطائفي والمذهبي والتقسيم والاستبداد باسم تفسيرات الدين أو اسئثاره في فئة محددة؛ ولا يصح أن تكون الدولة لها لون محدد لا يتساوى فيه جميع مواطنيها.

 

وبالتالي تخرج الدولة من الصراع الفكري والوجودي وتدخل في مرحلة اتفاق الجميع على تقدم حضاري في المجالات الاقتصادية والعلمية والفكرية بدلًا من الدائرة المفرغة التي تؤدي بنا لحروب أهلية وتقسيم طائفي خصوصًا أن الإسلام لم ينص على طريقة حكم الدولة وإنما وضع مبادئ عامة وهي (الشورى والحرية والعدل والمساواة والكفاية)

 

فمتى كانت تلك القيم هي مقاصد الدولة كانت إسلامية حتى وإن حكمت بعلمانية جزئية في مؤسساتها ومتى اختلت تلك الأصول والمقاصد لم تصبح الدولة تمت للإسلام بصلة حتى لو كانت تتغنى ليل نهار بشعارات حكم الله وشرع الله والإسلام هو الحل وتنظيم الدولة الإسلامية .. إلخ من مخرجات نفس الوعاء!

 

وإذ أننا نوضح بأن دولة رسول الله في المدينة كانت دولة مدنية بالكامل وهي النموذج الذي يحتذى من ناحية المبادئ وليس الطريقة في شكل المؤسسات، نؤكد أن لا بد لكل دولة من مرجعية نهائية لا تعارضها وهنا في المجتمعات ذات الهوية الدينية تكون إسلامية بنص الدستور ولكن بدون تدخل في الجزئيات، وعند الغرب تكون مرجعية قومية أو إلحادية أو دستورية أيًا ما يكن ولكن لا توجد أية دولة بدون مرجعية عليا حتى ولو كانت كما في الدول الغربية المرجعية هي الدولة نفسها أي الدولة الحديثة إله نفسها.

 

يبقى أن نوضح مصطلح (العلمانية الجزئية) الذي نراه حلًا كاملًا للخروج من أزمة الدول العربية منعًا لكل من الاستبداد والطائفية والتقسيم وما تعاني منه الأمة العربية والإسلامية بشكل عام من مشاريع سياسية دينية فاشلة.

 

فهل هذا المصطلح مخالف لعلمانية الغرب الإلحادية وهي فصل الدين عن كل مظاهر الحياة؟

 

بالطبع نعم يخالفه، فالعلمانية الشمولية ليست مقصدنا لأنها تحلل وفقد للهوية الإسلامية والإسلام لا يقبل بها، قوله تعالى: “قل إن صلاتي ونسكي ومحياي ومماتي لله رب العالمين لا شريك له وبذلك أمرت وأنا أول المسلمين”؛ وإن كانت تلك الآية خصها الكثير بالتسليم كعبادات دينية وأنها للحياة الدينية للمسلم وليست لها علاقة بتفاصيل نظم السياسة والاقتصاد إلا من حيث المقصد؛ إلا أن الإسلام فيه نظام للتشريع يجتهد على أساسه ولا تخالف الدولة مقاصده.

 

ولكن هنا نقول بأن العلمانية الجزئية لا تتعدى على هوية الدولة وفكر أبنائها وحرية الاعتقاد ولا مرجعية التشريع بالإسلام بل إنها تقوم بفصل التفسيرات الدينية واستخدام الدين في الحكم وشكل المؤسسات ونظمها السياسية فحسب، وهذا يضمن التقدم الكامل الذي نالته أية دولة أخرجت الصراع اللاهوتي من العمل السياسي.

 

وهنا نستشهد بكلام الدكتور عبد الوهاب المسيري رحمه الله عن العلمانية الجزئية وهو من أشد المؤيدين لها ومن المخالفين للعلمانية الشمولية ولاستخدام الدين في الصراع السياسي وأسس الحكم بين المواطنين في الدولة المدنية الحديثة، يقول في كتابه (العلمانية تحت المجهر):

 

“العلمانية الجزئية: هي رؤية جزئية للواقع لا تتعامل مع أبعاده الكلية والنهائية (المعرفية) ومن ثم لا تتسم بالشمول وتذهب هذه الرؤية إلى وجوب فصل الدين عن عالم السياسة وربما الاقتصاد وربما بعض الجوانب الأخرى من الحياة العامة وهو ما يعبر به أحيانا (فصل الدين عن الدولة) ومثل هذه الرؤية الجزئية تصمت ناحية باقي مجالات الحياة كما أنها لا تنكر وجود مطلقات (مثل الدين والشريعة والله والمعرفة الإنسانية والأخلاق العامة والقيم .. إلخ)

 

كما أن تلك العلمانية الجزئية لا تتفرع عنها منظومات معرفية أو أخلاقية مثل العلمانية المطلقة! أو الإلحاد! ولكنها تلتزم بجانب محدد من شكل الدولة وحياة الإنسان فهي قد تراه إنسانًا ماديًا/طبيعيًا في رقعة الحياة العامة السياسية فحسب، وباقي جوانب الحياة تشكل حسب رؤية كل أمة ومرجعيتها العليا، وإنتاجها الحضاري والفكري والديني لا تدخل فيه الدولة أصلًا، وهنا تترك العلمانية الجزئية للإنسان حيزه الإنساني يتحرك فيه إن شاء ولا يجبره على ترك الدين أو اتباعه (ويرى كثير من المفكرين المؤمنين المسلمين والمسيحيين أنه لا تعارض بين هذا النوع من العلمانية والإيمان الديني)”.

 

بهذا الحل يمكن للعالم العربي والإسلامي أن يبني دولًا حديثة ويتفرغ للنشاطات الحضارية بعيدًا عن أي استبداد باسم حكم ديني أو غيره ويصح أن يقال أن الدولة المدنية الحديثة التي  لا تعارض الإسلام لا في مرجعيتها العليا ولا في مقاصدها الكلية وتطابق مقصد الله من خلق الإنسان حرًا للاختيار وترك حيز كبير له في حياته الخاصة والعامة بالدين ولكن بعيدًا عن  استخدام الدين لأغراض السياسة والتمييز والطائفية والتي لا نعرف لها ثوابت يحكم بها على شخص ما وعندما نعارضه ببساطة سيقال أنه الإسلام وعندما يفشل سيضر الدين أكثر من أي مشروع سياسي آخر.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد