في القرن الماضي كتب أحمد أمين مقالًا عنوانه «الشرق ينقصه الحب»، يصف فيه تبلد مشاعر العربي وطغيان المادي على المعنوي في نفسه، ويغوص في غياهب الكبت التي ينطوي عليها وجدانه.

كتب أحمد أمين مقاله أيام البدايات الجميلة للفن والسينما العربية، وفي فترة تألق فيها الأدب العربي المعاصر شعرًا ونثرًا، بعد أن أسس محمد حسين هيكل للرواية العربية، ورفع شعراء المهجر البيت العربي عاليًا مرة أخرى، وصال رواد الإصلاح وجالوا أرجاء المعمورة، فكان الحال إذ ذاك غير الحال.

في تلك الأيام كان شرقنا أفضل مما هو عليه اليوم من الجانبين: الاجتماعي والنفسي على الأقل، كان العربي الشرقي كريمًا رغم الحاجة، شريف النفس رغم ظلم المحتل وقهره، فقد كانت معظم شعوبنا تنوء بأعباء الاحتلال والوصاية والانتداب، غير أن العربي لم يكن آنذاك ذئبًا لأخيه العربي كما اليوم، رقيق الطباع يسره أن يزرع البهجة على وجوه إخوانه وجيرانه، وينثر ورود المحبة حيث حل وارتحل، وبعد الرحيل الأخير كذلك.

حقبة كانت ترخي أم كلثوم العنان لحنجرتها فتغني: «الورد في الروض جميل» فيخيّل للعربي أن بيته الطيني روضة تنبت البنفسج والريحان، ويصبح على صوت فيروز صادحًا وهي تغني للوطن والحب والجمال، فتزيد نفسه رغبة في ممارسة الحياة والتشبث بمفاتنها دون كلل، حتى نكون أهل إنصاف فإن تلك الفترة لم تكن مستقطعة من جنة الفردوس، لكنها كانت حقبةً للأمل الناشئ، والجمال النضِر، وعنوانًا للحب الفتي.

وإني أخال أديبنا الكبير لو بعث اليوم من جديد ورأى واقعنا يعتذر إلى حبره ودواته، وينحني إكبارًا لتلك المرحلة التي ظلمها ورماها بموت الوجدان وتجمد المشاعر، فماذا سيكتب أمين لو رأى السوري نازفًا، واليمني مكسورًا، والعراقي داميًا، والليبي والمصري والسوداني يمضغون مرارة الخذلان، ويتجرعون كؤوس التواطؤ العربي والخيانة الشرقية؟

ماذا لو رأى الفلسطيني في الضفة مسجونًا، وفي غزة معتقلًا ومحاصرًا؟

ماذا لو رأى السيف العربي مصلتًا يقطر بالدم العربي، والرصاص العربي يدكدك أضلع العربي، والسوط العربي يلهب الجسد العربي؟ ماذا لو رأى في عيون العربي قساوة الجلاد وذل الضحية؟

ماذا لو رأى بقعة الدم تتمدد على جغرافية العرب؟

هل كان سيكتب أن الشرق ينقصه الحب وهو يرانا ندوس ياسمين الشام بأحذية العسكر، ونزرع أشواك التطرف والتعصب في ربى الشهباء واللاذقية، فتنبت موتًا ويتمًا وجلاءً؟ ماذا لو قادته قدماه إلى تونس الخضراء فألفى أوراقها اصفرت وتناثرت بعد أن هبت عليها عواصف الانتقام والحقد والكراهية الموبوءة، تراه سيكتب عن الكبت والقلق وهو يرى اليأس معششًا في صدر الجزائري كمن يخطو نحو حِمامه، ويشاهد الفقر يطاول عنان سماء نواقشوط لو انحرفت قدماه جنوبًا؟

هل سيحدثنا أديبنا عن الأسى حين يتلقّاه مادًّا رجليه بين طنجة والرباط، وحين تلوّح له صبية من «العيون» تشتكي ظلم ذوي القربى فلا تسمع لمغيث حسيسًا؟

أخاله سينكص على عقبيه مولّيًا وجهه شطر رمسه، يؤثر ظلمة القبر على لواعج بأسنا بيننا، وسيترك لنا حبره ودواته لنكتب عنا نحن، نحن أعداء الحب وخصوم الجمال، نحن الموبوؤون بأحقادنا، نحن الذين نعدّ الحب نقيصة ومعرّة، ونرجم الجمال بأحجار الغل فندميه، نحن الذين نستبدل صوت فيروز بنواح الثكالى، وألحان كاظم بأصوات البنادق، وهمسات العشاق بأنين الجرحى، نحن المسكونون بالوجع من يوم الولادة، نحن الألى ندنس طهر النفوس بأنانيتنا، ونغير عبق الورد بنتن الجثث، ونلبس حياتنا لبوس الخوف والجوع، نحن الألى «نغتال شدو العندليب إذا طغى يومًا على نهق الحمار»، نحن الشرقيون أعداء الحب والجمال.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد