الأم الحنون (Pia Mater) والأم الجافية (Dura Mater) هما طبقتان تغلفان الجهاز العصبي المركزي في الإنسان، والأم الحنون هى تلك الطبقة الرقيقة التي تلامس مباشرة المخ والحبل الشوكي وتتخلل جميع تجاعيده، والأم الجافية في تلك الطبقة الخشنة التي تغلف عظام الجمجمة والعمود الفقري فتكون طبقة حامية أخرى لحماية أهم أجزاء أجسامنا وأكثرها حساسية وتأثرًا. وبين الأم الحنون والأم الجافية توجد الأم العنكبوتية (Arachnoid Mater) وهي شبكة من الألياف المطاطية تشبه في تركيبها التشريحي خيوط العنكبوت.

والأم الحنون سميت بهذا الاسم لرقتها ولطفها وحنوها على جهازنا العصبي، فهي تسير معه برقة ولطف وتنحني مع انحنائه وتجاعيده فهي أم لينة طيعة تنزل لمستوى تركيبه ورغباته وأحلامه وآماله.

هكذا تطالعنا صورة الأم المبتسمة الحنون التي تنافس طفلها في لعبة كأنها طفلة، وفي الركض وراءه كأنها في الخامسة، وإذا كبر الابن أو البنت تجدها تشاركهم أنشطتهم وأحداث حياتهم اليومية كأنها صديقتهم، وتتبادل معهم أحاديث المساء الحانية، ولمسات الصباح الرقيقة. هي أم لا تتغير أبدًا طبيعتها رقيقة وأسلوبها حان وهمس صوتها جميل محبب، تلين لأطفالها وتنزل إلى مستوى لعبهم وتفكيرهم واحتياجاتهم.

والأم الجافية التي تغلف عقولنا تسمى أيضًا الأم الحازمة أو الأم الصارمة أو الأم العنيدة طبقًا للوصف التشريحي والترجمة اللاتينية فهي تشبه كثيرًا الجلد المدبوغ.

فهي عنيدة قاسية جافية لأبنائها بعيدة عنهم لا تعرف كيف تشاركهم في حياتهم ولا في لعبهم أو حركتهم أو تفكيرهم تراها بعيدة عنهم وبعيدين عنها تجافيهم ويجافونها، تبتعد عنهم فتشعر بالسعادة وتقترب منهم فتتضجر وتختنق وتصرخ. فيشعر الأبناء بالخوف أو الرعب فيهربون إلى أركان المنزل البعيدة يأنسون بعرائسهم الصغيرة أو ينزوون على أنفسهم تاركين لأمهم الجافية عالمها وصراخها.

وبين غياب الأم الحنون وجفاء الأم الجافية ظهرت الأم العنكبوتية التي نشرت شبكتها حول عقول الأطفال الصغار وأحكمت قبضتها عليهم؛ فصاروا يأنسون لها، ويقضون معها جل أوقاتهم، وجل أعمارهم، وأغلب طفولتهم. فصارت هي المربية والأم والمعلمة والملاذ والمهرب والمسلية، والتي تروى الحكايات وتقص القصص وتجذب العين وتشغل القلب وتريح العقل.

نشرت الأم العنكبوتية (اليوتيوب) فيديوهاتها في متناول الأطفال؛ فصارت أمًا لهم حقيقة لا مجازًا، تنقش في عقولهم رسومها التي لايمحوها الزمن، وتنحت في أرواحهم أصواتًا لا تنسيها الأيام. صارت نقوشها ورسوماتها ومنحوتاتها في أعماق الأطفال كنقوش معابد الفراعنة وتماثيلهم تعيش من جيل إلى جيل، وتصمد لآلاف السنوات، لا تأبه بتغير الحال، ولا تمحى بمرور السنوات.

وحينما انشغلنا عن أطفالنا بالقراءة أو الكتابة أو الرياضة أو العمل التقطتهم الأم العنكبوتية وأوثقتهم بخيوطها الحريرية الناعمة؛ فقتلت فيهم براءة الروح ونقاء الفطرة، وأسمعتهم وأرتهم ما لم يسمعه آباؤهم وأمهاتهم طوال حياتهم. وكلما انشغل الكبار بأهدافهم وحياتهم اقتنصت منهم الأم العنكبوتية فلذات أكبادهم، وأودعت أرواحهم وعقولهم في شاشات الهواتف والأجهزة اللوحية وانشغل الناس بمعاركهم السياسية والفكرية والعرقية والمالية في صخب دائم، وتتابع لا يتوقف، وتسللت الأم العنكبوتية إلى بيوتنا جميعًا، وسرقت أعز ما نملك؛ فشوهت عقولهم وآلمت أرواحهم.

كيف سيكون أطفالنا بعد عشر سنوات من الآن؟

كيف سيتحولون إلى مسخ آدمي في يد الأم العنكبوتية؟

كيف ستتحول حياتهم إلى مقاطع الفيديو أولًا بأول؟

كيف ستغزونا صيحة البث المباشر لكل وقائع حياتنا وكل أحداث أيامنا؟

كيف سيصبح كل طفل مشوهًا عنكبوتيا إنترنتيًا يوتيوبيًا خالصًا؟ أهي مدن اليوتوبيا، حيث كل الناس نسخ مكررة تحيى حياة مادية واحدة؟ أم هي معسكرات الاعتقال الافتراضية العنكبوتية؟ التي يصبح فيها الإنسان أسير شاشته وجواله وحياته الافتراضية؟ أم هي الإنسان المشاع المستباح؟ أم هو الإنسان الممسوخ الذي يحيي حياة مستباحة عارية؟

ما أهمية انشغال الناس بمعارك ليست معاركهم، وأخبار لا تعنيهم، وفضائح وهزل وكوميديا ودراما وغفلتهم عن ذلك السرطان الذي يغزوهم ويسرق قلوب وعقول أحب الناس إليهم. لست أدري هل الصراخ يجدي أم هو صراخ في واد؟ هل الكلمات تجدي أم أن الأمر أكبر من كلمات الآحاد.

يجب علينا أن ننقذ أنفسنا وأولادنا وأن نعلي شأن أرواحهم وقلوبهم ومشاعرهم وأن نبحث بداخلهم عن مشاعر الإنسان. أن نعزز فيهم قيم الحب والارتباط والتعلم والحركة والنشاط، وأن نقضى معهم وقتًا أكبر، ننهل من براءتهم وصفاء نفوسهم وجميل أرواحهم ما يعيننا على أن نكون أفضل، وما يلهمنا الحب والسعادة ويضمد جراح قلوبنا وأروحنا وأن نستظل بتفاؤلهم ونقائهم من قيظ الحياة القاسية.

Embed from Getty Images

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد