كتب الأمير شكيب أرسلان: لماذا تأخر المسلمون؟ ولماذا تقدم غيرهم؟ سنة 1930 حين رأى القوى العظمى تُقطَع أوصال الرجل المريض ـ الخلافة العثمانية ـ لتسقط الشعوب العربية الإسلامية تباعًا أمام احتلال الدول الاستعمارية الماسكة بأحدث الأسلحة والمثقلة بالأموال والثروات أمام شعوب المنطقة الضعيفة والغارقة في الفقر والنزاعات البينية، ذكر أرسلان أسبابًا رآها حائلة دون التقدم: مثل الكسل والجبن والبخل وفساد الأخلاق.

تعددت محاولات فهم أزمة العالم العربي الاسلامي فظهرت تيارات ومدارس وأحزاب وجماعات وجمعيات تقدم أسباب التخلف وعلى أساسها تقترح حلول النهضة: منهم من اعتبر الأزمة راجعة لضعف التدين والحل في الرجوع للدين أو العكس السبب في الدين نفسه والحل في القطيعة معه، والبعض اعتبر الحل هو التوفيق بين افكار الحداثة الغربية والأخلاق الإسلامية.

من بين المفكرين الذين اهتموا بالتنوير كأداة للخروج من أزمات التخلف المفكر الجزائري الأصل والأستاذ لسنوات في جامعة السوربون الفرنسية الدكتور محمد أركون.
الذي أعطى للمكتبة العربية مجموعة من الكتب التي أشرف على ترجمة أغلبها من الفرنسية تلميذه الملازم له الدكتور هاشم صالح:
– الفكر العربي 1979.
– تاريخية الفكر العربي الإسلامي 1986.
– من فيصل التفرقة إلى فصل المقال: أين هو الفكر الإسلامي المعاصر ؟ 1993.
– الإسلام أوروبا الغرب، 1995.
– نزعة الأنسنة في الفكر العربي، 1997.
– الفكر الأصولي واستحالة التأصيل، 1999.
– من التفسير الموروث إلى تحليل الخطاب الديني، 2001.

بالإضافة لعدة مؤلفات باللغة الفرنسية والانجليزية، بعضها مترجم والبعض لم يزل ينتظر دوره في الترجمة.
في رسالته للدكتوراه Eux Epitres de Miskawayh، édition critique،B.E.O ;Damas1961.
أو: نزعة الأنسنة في الفكر العربي: جيل مسكويه والتوحيدي، ترجمة هشام صالح، طبعة دار الساقي 2001.
يسافر أركون بقُرائه إلى زمن القرن الرابع الهجري؛ حيث عرفت بغداد نهضة فكرية ارتقت بفكرة الإنسان ووحدة الإنسانية في مواجهة الانغلاق الديني والطائفي، وعلى رأس هذه النهضة أبو حيان التوحيدي صاحب: المقابسات، ومسكويه صاحب كتاب: تهذيب الأخلاق وتطهير الأعراق، مبرزًا جو بغداد الفكري حيث انتعشت حركة الترجمة عن اليونانية والفارسية لكل العلوم من فلسفة وطب وأدب.
وظهرت حلقات النقاش والمناظرات الكلامية والفكرية التي جمعت حولها الكثير من مختلف العقائد والأديان والطوائف.
يقدم هنا أركون فكرة أن نزعة الأنسنة التي أفرزت عصر الأنوار الأوروبي خلال القرون 15 و16 و17، سبقها العالم العربي الإسلامي في القرن العاشر، لكن توقف هذا الازدهار، بينما استمر في أوروبا لتفرز حالة الحداثة والتقدم التي يعيشها اليوم، من أسباب توقف نزعة الأنسنة في العالم العربي تهميش العقل لصالح النقل وإهمال اللغة العربية ومتحدثيها من مراكز القرار والشأن الديني.
كل أعمال أركون يمكن تصنيفها ـ حسب د السيد ولد باه ـ في إطارين نظريين هما: الإسلاميات المطبقة ونقد العقل الإسلامي.
الإسلاميات المطبقة على غرار العقلانية المطبقة لباشلار هي محاولة لإعادة تعريف وبناء المعرفة الإسلامية، وذلك بالقطع مع المسلمات العامية، يُعرفها أركون: تدرس الإسلام ضمن منظور المساهمة العامة لإنجاز الإنثروبولوجيا الدينية، يقصد اخضاع القرآن والثراث الديني الإسلامي للنقد التاريخي المقارن والتحليل الألسني التفكيكي، والتأمل الفلسفي المتعلق بإنتاج المعنى وتوسعاته وتحولاته وانهدامه.
يسعى أركون إذن إلى محاولة نقد الثراث وذلك بتطبيق أدوات العلوم الإنسانية الحديثة: النقد والقراءة التاريخية، النظرية التفكيكية، الحفريات المعرفية، البنيوية اللغوية… وبالاضافة إلى التأويلية نجد أن هذه هي نفس الوسائل التي طبقها الفكر الغربي على التراث المسيحي اليهودي من أجل تجديد وتحييد الكنيسة وإعادة بناء الفكر الأوروبي.
يرى أركون أن العالم كله وليس النطاق العربي الإسلامي يحتاج إلى أنسنة الفكر والسياسة أمام دعوات العنف والدغمائية التي دفعت الحداثة الغربية إلى السقوط في منزلقات لا إنسانية ككارثة الحرب العالمية الأولى والثانية وحروب الخليج، ويعطي أركون شرطًا أوليًا لهذه الأنسنة العالمية، وهو إصلاح تربوي علمي يشمل المدارس والمدرسين في كل المراحل العلمية ومواجهة الجهل البنيوي الموجود في النخب العلمية المنوط لها مهمة إصلاح المجتمع.
عادة ما يُنتقد فكر أركون في مسألة استعمال المناهج الغربية على التراث الاسلامي، لكن يرى أركون أن هذه المناهج هي نتاج التجربة الإنسانية المشتركة وليست حكرًا على الحضارة الغربية، بينما ينتقد أركون المثقفين العرب في مسألة تهاونهم في ترجمة الانتاج الفكري الغربي الذي يتضاعف ويتراكم بعيدًا عن الشعوب العربية الإسلامية عامتهم ومثقفيهم؛ مما يزيد الهوة والفارق الحضاري كل يوم، يُنتقد أركون أيضًا بسبب عدم إلمامه بشكل واسع بالتراث الاسلامي: القرآن بنصه العربي وتفسيره حسب المذهب السني وباقي المذاهب و ثقافته الفقهية والتفسيرية والأصولية الضرورية لنقد التراث على عكس أقرانه: حسن حنفي والجابري والطرابيشي ووائل حلاق.
يبقى مشروع المرحوم أركون مفتوحًا أمام القراء الذين بدأت كتبه تصل إليه، بالرغم عدم تبني فكره وتراثه من تلاميذ نشيطين أو مؤسسات علمية قادرة على نشره وتطويره، على خلاف المجتمع العربي الاسلامي؛ فقد عرفت أفكار أركون قبولًا حسنا في الدوائر الثقافية في أوروبا، وقد يكون السبب هو لغة لكتابة أو تشابه فكرة التنوير الأركوني مع التنوير والأنسنة الغربية.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد