لم تعرف منطقة الخليج العربي والشرق الأوسط، منذ الحرب العراقية الإيرانية إلى اليوم، تصاعدًا في حدة الصراع العربي الإيراني، كما شهدته أحداث الهجمات على البنية التحتية النفطية السعودية في بقيق والخبر.

ففي الرابع عشر من سبتمبر/ أيلول تعرضت عملاقة النفط السعودية «أرامكو» لهجوم بطائرات مسيرة، تسبب في إيقاف نصف صادرات المملكة العربية السعودية من النفط، فيما عدته الرياض هجومًا يستهدف الأمن الدولي للطاقة، متهمة طهران بالوقوف وراء الهجمات، على الرغم من إعلان جماعة الحوثي في اليمن مسؤوليتها عن الهجوم، ونفي طهران علاقتها به.

ولكي تكون النظرة إلى الحادثة أكثر موضوعية؛ فإن هنالك أربعة احتمالات للتعامل مع مصدر الهجمات، والتي على أساسها يُحدد رد الفعل المناسب على العملية، التي فيما لو حدثت قبل خفض الولايات المتحدة التزاماتها في الشرق الأوسط، لتسبب ربما في حرب شاملة على إيران.

عند التعامل مع الادعاء الحوثي بالوقوف وراء هجوم أرامكو فإن ذلك يقتضي التسليم بأن الطائرات المسيرة قطعت مسافة تزيد عن ألف وربعمائة كيلو متر للوصول إلى أهدافها، وهذا مستبعد من حيث الإمكانية التي تمتلكها ميليشيا الحوثي، وكذلك من حيث الأدلة التحقيقية التي تشير إلى أن الطائرات جاءت من شمال المملكة.

وهنا تبقى الاحتمالات الثلاثة الأخرى متمثلة في الأراضي العراقية، أو مياه الخليج العربي، أو حتى من الداخل الإيراني.

وبالطريقة نفسها التي تعمل بموجبها مع الادعاء الحوثي، تقدر المسافة من الأراضي العراقية وحتى منشآت النفط في بقيق بقرابة ثمانمائة كيلومتر، وهذه المسافة تعد معقولة ومقبولة في السياق التحقيقي؛ لذلك فإن احتمالية أن تكون الهجمات قد انطلقت من العراق منطقية[1]، لا سيما أن للفصائل المسلحة في العراق سابقة في هذا الاتجاه، في استهداف خطوط النفط السعودية في مايو/ أيار الماضي، بحسب صحيفة وول ستريت جورنال الأمريكية[2]، ومعلومات عدد من الساسة المناهضين للحشد الشعبي ودوره في العراق، وتأكيدهم على أن نائب رئيس هيئة الحشد الشعبي أبو مهدي المهندس، المقرب من إيران، أمر بإغلاق المجال الجوي العراقي لتنفيذ الضربة في حينها.[3]

ومع أن النفي الحكومي العراقي للاتهام بانطلاق هجمات أرامكو من العراق غير كاف؛ بسبب الضعف الحكومي وعدم سيطرة السلطات على الفصائل المسلحة، فإن هذا الاحتمال نفاه وزير الخارجية الأمريكي مايك بومبيو، على الرغم من أن النفي الأمريكي لا يخرج العراق من دائرة الاتهام؛ فقد يكون النفي لحصر الاتهام في إيران لتحقيق مزيد من الضغط على طهران.

أما الاحتمالان المتبقيان، وهما الأراضي الإيرانية أو مياه الخليج فيصبان في الاتجاه نفسه؛ إذ إنه في هذه الحالة تكون إيران قد تورطت تورطًا مباشرًا في تنفيذ الهجوم.

ومع أن السعودية تدفع بهذا الاتجاه، فإنه ينبغي الوقوف على حيثيات القضية ومعاينة الظروف التي نُفذ الهجوم من خلالها، والدافع وراء أن تورط إيران نفسها مباشرة في عمل قد يعرضها لعقوبات أممية، أو رد عسكري مشترك.

منذ الانسحاب الأمريكي من الاتفاق النووي في 2018 وحتى الآن، وبمتابعة أحداث الصراع الإقليمي، نجد أن إقالة مستشار الأمن القومي الأمريكي جون بولتون هي أبرز رسائل واشنطن لطهران لتهدئة الأزمة؛ إذ كان الرجل أبرز الصقور في الإدارة الأمريكية الداعين إلى عمل عسكري ضد إيران، كما أن الإقالة تزامنت مع الوساطة الفرنسية للحوار بين الرئيسين، دونالد ترامب، وحسن روحاني، التي بدت مقبولة إلى حد ما من الطرفين، وفي هذه الظروف الإيجابية بالنسبة لطهران جاءت هجمات أرامكو، فما الذي قد يدفع إيران لتجاوز ما يمكن أن يكون خطًّا أحمر بالنسبة لواشنطن؟

للإجابة عن هذا السؤال تنبغي مراجعة سلسلة التصعيد منذ البداية؛ لمعرفة ما إذا كانت إيران قد قررت أن تخوض حربًا على تجارة النفط في المنطقة، طالما أنها تحت الحصار النفطي، وأنها وصلت إلى قناعة بأن واشنطن لن تخوض حربًا في المنطقة، ما لم يتعرض أمن إسرائل لخطر حقيقي.

في أواسط مايو الماضي تعرضت أربع سفن على ساحل الفجيرة في الإمارات للتخريب، ثم تعرضت ناقلتان في مضيق هرمز للهجوم في يونيو/حزيران، ومرورًا بإسقاط إيران الطائرة الأمريكية المسيَّرة غلوبل هوك، تأتي حادثة الاحتجاز المتبادل للناقلات بين بريطانيا وإيران، حتى وصلت السلسلة إلى هجوم أرامكو، ودائمًا أصابع الاتهام في ما لم يعلم منفذه من هذه الأحداث تشير إلى إيران؛ ربما لأنها لم تعد تتحمل أعباء العقوبات الأمربكية، ولا بد لها من التصعيد وضرب المصالح النفطية في المنطقة للتسبب في ارتفاع في أسعار الطاقة، ودفع العالم إلى الوقوف في مواجهة السياسة الأمريكية تجاهها، مع الأخذ بعين الاعتبار التصريحات الإيرانية بأنه لن يستطيع أحد في المنطقة تصدير النفط إذا لم تستطع هي تصدير نفطها.[4]

ومما قد يكون دافعًا لإيران للتمادي أكثر في التصعيد هو تراجع نفوذ الولايات المتحدة في الشرق الأوسط؛ بسبب خفض التزاماتها تجاه المنطقة، عندما فقد النفط أهميته الاستراتيجية بالنسبة لواشنطن[5]، لاسيما أن هذا التراجع عززته سياسات ترامب الذي بدا أنه غير مستعد لخوض حرب جديدة غير الحروب الاقتصادية، التي يرى فيها لعبته وهو «السياسي السمسار» القادم من عالم المال والأعمال[6]، وما لذلك من تأثير في شخصيته، إذ إن نمط شخصية أي رئيس للولايات المتحدة ونظرته إلى العالم تحدد إلى أي درجة تتدخل واشنطن في المنطقة، والطريق الذي تسلكه عملية وضع المخططات الخاصة بها، وآلية تنفيذ هذه المخططات[7]، وبالتالي فإن أعلى سقف البيت الأبيض تحت إدارة ترامب هو مزيد من العقوبات، التي يمكن لإيران التعامل معها بإثارة المشاكل وزعزعة أمن الطاقة.

إذن يمكننا هنا تغيير السؤال أعلاه «ما الذي قد يدفع إيران لتجاوز ما يمكن أن يكون خطًا أحمر بالنسبة لواشنطن؟» إلى «ما الذي يمنع إيران من ذلك؟»

 

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

المصادر