الطفل، والفنان، والمزارع، والطالب، لا يوجد أي فرق بينهم بالنسبة للاحتلال الإسرائيلي، تفرض علينا كافة سياساتها العنصرية دون تمييز، ابتداء من حملات الاعتقال للشبان في قرى الضفة الغربية، وصولًا لما نشرته صحيفة معاريف العبرية نقلًا عن عضو الكنيست الإسرائيلي، آفي ديختر، من أن «إسرائيل» لن تمنح عساف تصريحًا لدخول الأراضي المحتلة.

وهذا لا يعتبر سوى مواصلة للسياسة الإسرائيلية التي تنتهك الحق الفلسطيني للعيش على الأرض، وحتى خارجها تعمل جاهدة لتبقي الفلسطيني بحالة دائمة من الصراع في تكوين هويته الفنية تمامًا كما حدث مع محبوب العرب محمد عساف.

عساف تحت المجهر الصهيوني

في 14 أكتوبر (تشرين الأول) صدر قرار إسرائيلي يمنع بموجبة الفنان الفلسطيني، محمد عساف، من دخول الأراضي المحتلة عام 1948، من خلال سحب التراخيص الممنوحة، بالإضافة لكونها تعمل بشكل جدي لإنهاء عمله كسفير للشباب في وكالة غوث وتشغيل اللاجئين «أونروا»، وهذا يعني أنها تحاول سحب جواز سفره الدبلوماسي في خطوة تستهدف التضييق على تحركاته في الخارج.

وهذا يشير إلى أن مشكلة إسرائيل الأساسية مع الفنان الفلسطيني، لا تتعلق بالوجود على الأرض، بل تلاحقه خارج حدود الوطن، ولا بالأساس الذي تستند عليه بوصفه يدعم الإرهاب، فتبين من خلال ذلك أن مشكلة إسرائيل مع محبوب العربي هي أنه فلسطيني، وذلك يكفي بالنسبة لها لفرض مختلف السياسات والقوانين العنصرية تجاه عساف، وخاصة أن الساحة العربية المطبعة لم تعد آمنة للوجود الفلسطيني.

«إسرائيل تفضح أنشطة محمد عساف الإرهابية»

الغريب هنا أن إسرائيل تعلن نصا عن هذه التفاصيل للصحيفة العبرية، من قبل عضو الكنيست الإسرائيلي عن حزب الليكود اليمني، ورئيس الشاباك السابق، آفي ديختر، الذي أوضح أن هذا القرار جاء بعد عدة أشهر، من عمل مركز «بادين لدراسات الشرق الأوسط» على «فضح» أنشطة محمد عساف.

يبدو أن التصريح الصحفي للفنان محمد عساف كان فريسة منتظرة من قبل الاحتلال الإسرائيلي، وذلك يؤكد أن عساف طوال السنين السابقة وهو حذر جدا من الوقوع تحت الوصف الصهيوني الذي يترقب تحركاته، وبذلك التصريح وصلت إسرائيل للمبتغى لتحقيق الهدف المنشود للتنغيص على الفنان الفلسطيني محمد عساف.

وسبق أن لاقى فوز عساف اهتمامًا كبيرًا من الإعلام الإسرائيلي، حيث كتبت صحيفة «هأرتس» عقب فوزه باللقب «أصاب صوت الشاب الفلسطيني الذي قدم من أحد مخيمات اللاجئين في غزة مشاهدي وحضور برنامج المسابقات محبوب العرب بالذهول والصدمة ونال أصوات الكثير من المشاهدين والمستمعين الذين أعجبهم أداؤه لأغان رومانسية معروفة لدى الجمهور العربي إضافة لأغان تخلد المعاناة الفلسطينية».

وتحت عنوان «ولادة نجم فلسطيني» كتبت صحيفة «يديعوت أحرونوت» على موقعها الإلكتروني «فاز الفلسطيني بلقب محبوب العرب بعد أن منحه ملايين المشاهدين على امتداد العالم العربي أصواتهم وتأييدهم»، بوصفه نجما من العيار الثقيل لم تعرف الضفة الغربية وقطاع غزة له مثيلا ونجح بعمل ما فشل به قادة فلسطين السياسيون، ففجر المحبة الفلسطينية العابرة والمتجاوزة للتنظيمات، حيث رأى فيه الفلسطينيون مصدرا عزيزا ونادرا للفخر والوحدة الوطنية».

وتلقى عساف التهنئة من رئيس بلدية تل أبيب يافا رون خولدائي بمناسبة فوزه في مسابقة «أراب أيدول» الغنائية التي بثتها قناة «إم بي سي»، ونقلت الإذاعة الإسرائيلية عن خولدائي خلال حفل تخريج طلاب من مدرسة ثانوية في يافا القول «إن الشعب الفلسطيني يستحق أن يفرح بهذا الإنجاز».

الخوف الإسرائيلي من الفنان الفلسطيني يبدو أكبر من الحجارة، إسرائيل تدرك جيدا كيف سيأثر فنان بهذه النجومية العالمية في مسيرتها في السيطرة على الأرض ووصف أصحاب الأرض بالإرهابين، ليخرج لها شاب فلسطيني تجاوز الصور والأسلاك ليغني للسلام والمحبة، ويشغل الفكر العالمي ويبدد الصورة التي دائما ما تنقل عن الفلسطيني بأنه لا يحمل إلا الحجارة، لقد غير عساف مفهوم الدعاية الصهيونية بحقنا، وتبع ذلك الترصد الطويل لتضييق الخناق على الفنان.

نحن الفلسطينيين دائما مقاومون والفلسطيني خارج الأرض هو أشد من الصامد على أرضها وطنية، لا تقاس سوى بمكيال صاحب الحق، نحن الأحق لذلك نحن الأقوى والأبقى، الجندي والطفل والطالب واللأم والفنان وكل ما هو فلسطيني يرعبهم، اذا كنتم تعتقدون أن لكم شيئًا هنا كيف ستبقون بكل هذا الخوف والقلق؟

الفلسطيني العالمي

شارك الفنان محمد عساف في أضخم أوبريت فني مسرحي عن الإسلام، «عناقيد الضياء» والذي يشارك فيه أكثر من 200 ممثل من مختلف أنحاء العالم يتقدمهم أربعة نجوم عرب، حسين الجسمي، لطفي بوشناق، علي الحجار، محمد عساف وهو عمل يروي سيرة النبي محمد صلى الله عليه وسلم منذ ولادته حتى وفاته، وتتولى الأوركسترا الألمانية العالمية مهمة التسجيلات الموسيقية، بقيادة الموسيقار الألماني الشهير كريستيان شتينهاوزر، رئيس فرقة برلين للأوركسترا، الذي يعتبر واحدًا من أشهر المواهب الموسيقية في أوروبا، وشارك عساف 5 عروض للملحمة بدأت في « 26 مارس» واستمرت حتى «4 أبريل» على مسرح جزيرة المجاز في الشارقة.

صوت محمد عساف كان الناطق العربي الوحيد الذي غنى في حفل كونغرس الفيفا 64 في مدينة ساو باولو البرازيلية، في كأس العالم لكرة القدم عام 2014، بحضور رئيسة البرازيل ديلما روسيف، ورئيس الـ «فيفا» جوزيف بلاتر، والأسطورة الكروية رونالدو. عساف قدم أغنيته «يلاّ يلاّ» التي «تم التحضير لها وإطلاقها خصيصًا للمناسبة، ليكون بذلك أول مطرب عربي على الإطلاق يشارك في افتتاح حفل عالمي تابع لـ «الفيفا»، في إطار تنظيم كأس العالم لكرة القدم 2014 في البرازيل، برفقة نخبة من الموسيقيين والعازفين البرازيليين، وهي أغنية «يلاّ يلاّ»، التي ساهم جمهوره في كتابة كلماتها وتابعها الملايين في العالم عبر البث الإلكتروني المباشر على الإنترنت، أشرف على إنتاجها الموسيقي العالمي المشهور رودني جيركينز، فيما تعاون على وضع ألحانها وكتابة كلماتها المؤلّف الموسيقي ميشال فاضل، والشاعر نزار فرنسيس.

الشاب الفلسطيني محمد عساف الذي واجه الصعاب ليثبت للعالم أنه يستحق لقب أراب آيدول من إم بي سي، تم تنصيبه سفير النوايا الحسنة لدى الأمم المتحدة، كما منحه الرئيس الفلسطيني محمود عباس لقب سفير فلسطين الثقافي والفني مع مزايا دبلوماسية، بالإضافة لكونه منحه العضوية الفخرية في مجلس الوحدة الإعلامية العربية، ويعتبر عباس ثاني فنان عربي يحصل على مفتاح مدينة لاس فيغاس، نيفادا.

حصل عساف على جائز الموريكس دور «أفضل فنان عربي صاعد» 2014، وعلى أفضل فنان في الشرق الأوسط عن فئة WORLDWIDE ACT في المرحلة الأولى من فوزه بجائزة إم تي في، وأفضل فنان في الشرق الأوسط والهند وأفريقيا عن فئة WORLDWIDE ACT في المرحلة الثانية من فوزه بجائزة MTVEMA، بالإضافة لحصوله على جائزة BAMA العالمية أفضل فنان في الشرق الأوسط 2017.

وهذا الموجز كاف ليثبت أن عساف الفلسطيني انتقل من فلسطين للعالم العربي ومنه للعالمية، بجنسيته الفلسطينية التي دائما يعتز بها كشاهد للعالم عن الحياة والشباب في الكل الفلسطيني باعتبار أن عساف نموذج حاصل على إجماع وطني، لذلك أعتبر فنه قناصة، ورسالته حجر موجه لروايتهم المضللة، يضيقون الخناق على حرية حنجرته الذهبية، ولن يزيدوه إلا وطنية كما عهدنا الفلسطيني دائما صامد بوجه الريح.

رد الفنان محمد عساف على هذا القرار التعسفي كان باعثا للفخر للكثير من المتابعين له عبر مواقع التواصل الاجتماعي، وخاصة الفلسطينيين الشباب، الذين يرون في عساف نموجًا فلسطينيًا أولوياته وإن تعددت لا تتعدى عن الوطن والثوابت، فرد قائلًا: «ما يتردد عن منعي من دخول الأراضي الفلسطينية المحتلة والقدس وغزة ما هو إلا استمرار لسياسات القمع وكبح الحريات التي يعاني منها أبناء شعبي الذي أنتمي له قلبا وكيانا وروحا، ولن يثنيني عن حب بلادي والتغني بها في كافة المحافل أي شيء.. بقلبي يا بلد».

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

علامات

محمد عساف
عرض التعليقات
تحميل المزيد