سلسلة اعادة بناء الفكر

تحكيم الشريعة أمر يخطئ فهمه كثير من أنصار السلفية الجهادية وكثير من عامة المسلمين وهم على طرفي نقيض.

فكثير من العامة يردد كلمة (هل أنت موكل عن الله أو نائب عنه) كلمة يرددها العامة كثيرًا عند التحدث عن الشريعة والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، فعندما تسأل أحد العامة في شيء هو معلوم بالضرورة، تجده يتهرب من الإجابة بقول الله أعلم، فهذه الكلمة لا يقولها ورع، بل لأنه ترسخ في عقله أن كل شيء نسبي، أو أن كل شيء متصل بالله، لا يمكن الحديث عنه على وجه اليقين، رغم أن الله أعلمنا بالأحكام في كتابه وسنة نبيه، فتقول له إن الله أمر بكذا وكذا يقول لك الله أعلم، سبحان ربي، حقًا هم شر الدواب، ليظهر في آخر حديثه ما يحمل من أفكار خبيثة ليقول كل منا حر يفعل ما يريد وحسابه عند الله وأنت لست وكيلًا عن الله.

كل هذه الأقوال أقوال شيطانية أسسها علمانيو العرب وهم أقبح من علمانيي الغرب الذين يجهرون بأفكارهم صراحة.

وتجد فريقًا آخر من أنصار السلفية الجهادية يرون أنهم يمثلون الإسلام والحق على الأرض ولا يقبل أحدهم أي خلاف أو أي مساحة للنقاش وكأنه المتكلم باسم الله، ولا أحد يرى أو يفهم المتشابه غيرهم، بل هم يرون المتشابه محكمًا لضيق الأفق والعلم، رغم أننا أمرنا أن نرد المتشابه إلى المحكم، الأمر الذي يقودنا إلى التفقه وإعمال العقل وهو ما يفقده كثير من أنصار السلفية الجهادية وكثير من أنصار السلفية بشكل عام، وهو ما يجعلهم دائمًا على غير وفاق مع الفقهاء والمجددين، رغم أن ابن تيمية كان من المجددين، وأكثر من أعمل عقله فى المسائل التي طرأت فى عهده، ولكن الخلف مقلدون تقليدًا أعمى.

ولكى نستمر في شرح مقالنا هذا يجب أن نجيب عن هذا السؤال: هل هناك أحد يمثل الإسلام على الأرض، سواء كان عالمًا عظيم الشأن أو خليفة من طواغيت ملوك تاريخ المسلمين، وليس تاريخ الإسلام.

الحقيقة أنه ليس هناك أحد على وجه الأرض يمثل الإسلام بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم.

للوهلة الأولى يسعد الليبراليون كثيرًا بهذا الحديث، ولكن يجب التفصيل لمثل هذا الكلام.

حقًا إنه ليس هناك أحد يمثل الإسلام ولو كان أتقى عباد الله على الأرض، ولكن هل يعني هذا أنه لا يوجد أحد أجدر علة تطبيق شريعة الإسلام لأنه لا يوجد أحد يمثلها ويتكلم باسمها، الحقيقة إننا أمرنا أن نحكم شرع الله، فحجة أنه لا يوجد من يمثل الإسلام ليس مخرجًا لعدم تحكيم الشريعة، ولكن علينا أن نجتهد ونحكم شرع الله فيكون تطبيق النصوص خاصًا بنا غير مقدس قداسة النص، فإن النص مقدس، أما تطبيقه فغير مقدس، وقابل للنقد، والذى يطبق هذا النص غير مقدس ولا معصوم، فإن وفقنا فمن الله ولنا أجران، وإن أسأنا فمن أنفسنا، ولنا أجر طالما كان هناك اجتهاد معتبر يعتد به قائم على أسس علمية، فليس كل اجتهاد يعتد به، وبالمثال يتضح المقال.

نسوق هذه الأدلة لتقريب الأفهام:

فقد نهى النبي صلي الله عليه وسلم أميره بريدة أن يسمى حكمه بين الناس أنه حكم الله فقال رسول الله (وإذا حاصرت أهل حصن، فأرادوك أن تنزلهم على حكم الله، فلا تنزلهم على حكم الله. ولكن أنزلهم على حكمك. فإنك لا تدري أتصيب حكم الله فيهم أم لا).

ونهى عمر لكاتبه أن يكتب بعد أمر حكم، هذا ما أرى الله أمير المؤمنين عمر، فقال له لا تقل هكذا، ولكن قل هذا ما رأى أمير المؤمنين عمر؛ فيظهر هنا أن تطبيق النصوص لا ينسب لله ولا لرسوله.

وترتب على الفهم الخاطئ لهذه المعانى عند العامة المقولة الشهيرة القبيحة، بأنه لا يوجد أحد على الأرض أجدر على تطبيق حكم الله، لذلك يجب تنزيه حكم الله عن أخطائنا ليدفعنا التنزيه إلى التعطيل وعليه نطبق بدلًا عنه أحكامنا المدنية.

والصحيح أنه لا بأس من الخطأ، ولكن لا ينسب الخطأ للنص، ولكن لتطبيق النص، فالقاضي يخطئ كثيرًا في تطبيق نصوص القانون وتحدث أخطاء فادحة، ولكن لا يعنى هذا أن القوانين معيبة، ولكن الخطأ في تطبيق النصوص، لذلك كانت أهمية وجود محكمة النقض التي تعد محكمة قانون، وليست محكمة موضوع أي تنظر هل وافق التطبيق النص أم لا، وهذا ما يمكن تطبيقه في الشريعة بأن تكون هناك أكثر من جهة تراقب توافق النص والتطبيق، وإن حدث خطأ فلا ينسب لله ولا لرسوله، بل لفاعله،

يتخوف البعض من هذه الأخطاء خوفًا على الإسلام فنقول لقد ظل الإسلام قرون عدة على هذا الحال والناس تدخله أفواجاه قال الله تعالى (قُلْ أَأَنتُمْ أَعْلَمُ أَمِ اللَّهُ).

فالله أعلم من تصوراتنا القاصرة، فالله أمرنا بتطبيق شرعه وهو أعلم بشرعه وأعلم بمن تنزل عليهم هذا الشرع.

وإن كانت حجتكم أن العصور السابقة كان بها أتقياء بخلاف هذا العصر، نقول أبدًا هذا غير صحيح، بل هذا العصر هو بداية الخروج من عصور الظلام، إضافة إلى أن صلاحية الشريعة لكل زمان تعني كل زمان بما فيه من والأحوال.

خلاصة الأمر القولين أقبح من بعضهما فمن نسب حكمه لله ومن أراد تنزيه حكم الله إلى أن دفعه إلى التعطيل وتحكيم الأحكام البشرية.

قال تعالى: (أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يَزْعُمُونَ أَنَّهُمْ آمَنُوا بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكََ يُرِيدُونَ أَنْ يَتَحَاكَمُوا إِلَى الطَّاغُوتِ وَقَدْ أُمِرُوا أَنْ يَكْفُرُوا بِهِ وَيُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَنْ يُضِلَّهُمْ ضَلَالًا بَعِيدًا).

وقال الله تعالى: أَفَحُكْمَ الْجَاهِلِيَّةِ يَبْغُونَ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ حُكْمًا لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ [المائدة:50].

والآيات كثيرة جدًا ولكننا نختصر الأمر اختصارًا.

ونؤكد على ما سبق بهذا الحديث، فعندما بعث النبي صلى الله عليه وسلم معاذ إلى اليمن سأله رسول الله قال: (كيف تصنع إن عرض لك قضاء؟) قال: أقضي بما في كتاب الله.

قال: (فإن لم يكن في كتاب الله؟) قال: فبسنة رسول الله صلى الله عليه وسلم.

قال: (فإن لم يكن في سنة رسول الله؟) قال: أجتهد وإني لا آلو.

قال: فضرب رسول الله صدري، ثم قال: (الحمد لله الذي وفق رسول رسولِ الله لما يرضي رسول الله).

إذًا يتضح لنا أن تحكيم القرآن والسنة واجب، ولكن الحكم الصادر ليس باسم الله أو اسم رسوله، بل باسم ولي الأمر أو القاضي.

وأخيرًا يجب أن نعلم أن إعادة صياغة الشريعة الإسلامية وتطبيقها لن يؤثر في القوانين الوضعية، بل ما سوف يتم تعديله لن يتعدى 10% من القوانين.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات