تنقسم العوامل التي تؤدي لاختفاء أو تدمير الحضارات أو المواقع الأثرية إلى قسمين رئسيين وهما:

-العوامل البشرية

-العوامل الطبيعية

وتنقسم كل منهما لعدة عوامل كما سنرى، وسنبدأ بالعوامل البشرية، وهي تنقسم إلى :

1- عوامل سياسية

يبدو أن السياسية ليس لها من اسمها نصيب في عالمنا، فإذا كان جوزيف غوبلز قد قال: «كلما سمعت كلمة مثقف تحسست مسدسي»، فأنا شخصيًا عندما اسمع كلمة سياسية اتحسس مسدسه، فمثلما كان للسياسة آثار سلبية أو إيجابية في شتي المجالات، فقد كانت أيضًا أحد العوامل التي ساهمت في تدمير العديد من الأماكن الآثرية وحكمت عليها بالاندثار، ونضرب هنا مثلًا لمدينة «إخيتاتون» في تل العمارنة، المدينة التي قام بتأسيسها «إخناتون»، وقد تسبب في دمار تلك المدينة قرار سياسي من الملك «توت عنخ أمون»، حيث قام بتغيير العاصمة لتصبح «طيبة» وهو عين ما قام به أيضًا الخليفة المعتمد بعودته إلى بغداد مما أدى إلى هجرة السكان من مدينة «سامراء» وقد أدى هذا إلى دمار المدينة.

2- الحروب والمعارك

إذا كانت السياسة بما يحملها اسمها من معنى يدعو للتفاهم قد أدى إلى تدمير المدن القديمة فما بالك بالحروب والمعارك، فقد دمرت الحروب العديد من المدن وتركتها خاوية بلا عروش، ومن أشهر تلك المدن مدينة طروادة التي أشعل الهلينيون فيها النيران فهرب سكانها باحثين عن مأوى لهم، أو كما فعل الرومان في مدينة قرطاجنة التونسية حينما دمروها وأتوا فيها على الأخضر واليابس.

3- تطور العمران

وأعني بهذا الزحف السكاني بغرض التوسع، وينقسم فيه تدمير المواقع إلى عدة أنواع منها:

‌- إعادة التدوير

ونقصد بهذا إعادة استخدام الأعمدة والأحجار الخاصة ببناء ما لبناء مبنى آخر جديد، ويعود هذا إلى أحد أمرين:

أولهما: سبب هندسي معماري بحت، حيث إن عمارة ما قبل ظهور الإسمنت أو الخرسانة، كانت تعتمد على نحت الأعمدة بما فيه من مشقة مادية تتكلف الكثير من الأموال، بالإضافة للوقت اللازم في نقل أعمدة الرخام لمكان النحت ثم إلى موقع البناء، وهو ما أدى إلى استسهال أصحاب السلطة السطو على مباني المخالفين وإعادة بنائها بما يتناسب مع مبانيهم الحديثة في وقتها، ولم يستثن من هذا أحد، فحتى رجال الدين قد سمحوا بهذا، فعلى سبيل المثال قام المسيحيون ابتداء من القرن الرابع الميلادي ببناء كنائسهم على معابد الوثنيين في روما القديمة وغيرها وحتى في مصر نجد أن الكنيسة المعلقة قد بُنيت فوق حصن بابليون، وقد بني أيضًا جامع أبو الحجاج في مدينة الأقصر على جزء من معبد الأقصر، هذا فيما يختص بالأعمدة، أما الأحجار فنذكر باب البحر وهو من أبواب الأسوار الأيوبية فقد سمى بذلك الاسم لقربه من النيل، وبقيت آثاره حتى سنة 1847 م، ثم تم هدمه بأمر محمد علي.

أما ثانيهما: فيكون في الأغلب الأعم نكاية في الأعداء أو المخالفين في الدين أو المذهب وهو ما توضحه الآثار الإسلامية التي بناها المسلمون في الأندلس مثل المساجد والجوامع مثلا والذي قام المسيحيون بتحويلها لكنائس، وإن كان السبب الظاهري معماري هندسي بحت إلا أن عاقلًا ما لا يستطيع أن ينكر أنها كانت وسيلة تكميلية، فبعد ترحيل وإبادة المسلمين في الأندلس لم يبق إلا محو ذكراهم وإزالة كل أثر يدل على وجودهم في شبة الجزيرة الأيبيرية.

– إقامة المشروعات الهامة

وهو ضرر غير متعمد بحسب بعض الآراء، حيث إنه يتطلب أحيانًا إقامة أحد المشروعات الاقتصادية الهامة بالقرب من منطقة أثرية أو مدينة قديمة وهو عين ما حدث في معبد كلابشة الذي غرق في مياة خزان أسوان، قبل أن تقوم «اليونسكو» بإنقاذه.

أما العوامل الطبيعية فهي

1- البراكين والزلازل

التي تمثل ظواهر طبيعية يستحيل التحكم بها،حيث تأتي الزلازل والبراكين على رأس العوامل التي تؤدي إلى اختفاء المدن والمباني، ونذكر منها على سبيل المثال بركان «فيزوف» الذي ثار بالقرب من مدينة نابولي جنوب إيطاليا عام 79م ،فغطى مدينتي بومبيي « Pompeii» وهيركولانيوم «Herculaneum» بالكامل وطمرهما بعد أن أودى بحياة سكانهما، أما الزلازل المدمرة فأهمها زلزال 702هـ الذي أدى إلى سقوط أحد عجائب الدنيا السبع القديمة ونقصد بها «منارة الإسكندرية».

2- العواصف والأعاصير والرياح

ومن أشهر الضحايا الأثرية، تمثال «أبو الهول» الذي طمرته الرمال تماما، ومدينة «سامراء» التي تركها سكانها وفقًا للقرار السياسي الوارد سابقًا، وهو ما أدي أيضا لدفنها في الرمال، ويعلم الله وحده كم مدينة أو أثر قد طمرته الرمال نسير فوقه الآن ولا ندري عنه شيئًا.

ونضيف إلى ما سبق من ظواهر طبيعية أيضًا، والفيضانات، والجفاف، وتحول الأنهار عن مجراها الأصلي، بالأضافة للأماكن التي عانت من الأوبئة والمجاعات على مر العصور.

ويبقى لنا أخيرًا أن نوضح أمرًا ما حتى لا نظلم أهل العصور السابقة، حيث إنهم لم يقوموا بهدم المباني الأثرية وتدمير غيرها من الآثار وهم على علم بالقيمة التاريخية التي تحملها تلك المباني، حيث إن علم الآثار علم حديث نسبيا، وإن كان لنا أن نلوم أو نحاسب، فعلى سبيل المثال ما فعله الاحتلال الأمريكي الغاشم في آثار العراق، فدمر ما دمر وقام بتهريب ما استطاع حمله، وذلك لا علاقة له بالطبع بالعمارة ولا بالجهل، فالولايات المتحدة لا تحتاج أعمدة أثرية لتقيم عليها مباني حديثة، ولكن تضافرت جهود من يحاول طمس الحضارات الأولى حتى يزيف التاريخ كما يحلو له، متعاونًا في ذلك مع لصوص الآثار ولا نقصد هنا بالطبع نابشي المقابر ولكن نابشي الحضارات، الذين يحلو لهم ملء متاحفهم بما يسرقونه من بلادنا.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد