خلال رحلتي لتركيا في العام الماضي، لفت انتباهي أمر مهم عند زيارتي للقصور العثمانية القديمة التي تحولت اليوم إلى متاحف، وخصوصا قصري توبكابي ودولما بهحه.

لقد كان قصر توبكابي أول قصر يبنيه العثمانيون في إسطنبول، بعد أن فتحها السلطان محمد الثاني في عام 1453، حيث كان توبكابي قصر السلطان ومقر الحكم، أما قصر دولما بهجه فقد تم بناؤه في القرن التاسع عشر في عهد السلطان عبد المجيد الأول، والد السلطان عبد الحميد الثاني المشهور، وقد كان من أواخر القصور العثمانية.

في فترة بناء قصر توبكابي، كانت الدولة العثمانية في أوج قوتها، حيث فتحت القسطنطينية، آخر معقل للدولة البيزنطية، وأصبحت هي القوة العظمى في المنطقة.

وهذا الواقع الذي كانت تعيشه الدولة العثمانية حينها انعكس على بنائها وعمارتها، فنرى القصر ينبض بالروح الإسلامية العثمانية، بزخارفها الدقيقة، والخط العربي الجميل، وتكثر فيه القباب والأقواس، مما يجعل الزائر لأول مرة يربطه مباشرة بتلك الحضارة.

ونلحظ هذا الأمر كذلك في مسجد السلطان أحمد، وفي عدة آثار وأماكن تاريخية تعود لتلك الفترة التي كانت تمتلك فيها الدولة العثمانية عزة وقوة.

أما عند بناء دولما بهجه، فإن الوضع كان قد اختلف عن الفترة المذكورة سابقًا، فقد ضعفت الدولة العثمانية، وأصبحت عالة على العالم، ومفتقرة إلى أي شكل من أشكال الحضارة والتقدم، فأصبحت ممزقة ضعيفة، لا تملك قوة ولا حضارة ولا ثقافة.

وهذا الواقع انعكس على كل شيء، حتى العمارة، فتم تشييد القصر على الطرازات المعمارية الأوروبية، وخصوصًا الطرازات الفرنسية والبريطانية والإيطالية، حتى أن السلطان قد كلف بعض الفنانين الأوروبيين بتصميم وزخرفة القصر الجديد، وهذا بخلاف ما كانت عليه الدولة تماما في عصر المعماري سنان.

نعم، ربما يكون دولما بهجه أكثر فخامة وترفًا وزخرفة من توبكابي الذي يظهر كقصر متواضع أمامه، ولكن في الحقيقة فهذا الآخر مظهر من مظاهر ضعف الدولة، فإن الدول حين تضعف أو تصبح منزوعة الحضارة، فإنها تميل إلى تشييد المباني الضخمة والمترفة لأجل تغطية ذاك السوء بهذا الحسن.

ما نلاحظه من هذين المثالين، هو التغير الشديد الذي حصل في الطراز المعماري لكل من القصرين، مع أن كلاهما قد تم بناؤهما في نفس الدولة، ولكن عزة وقوة الدولة في العصر الأول أنتجت عمارة تعبر عنها، وتجسد ثقافتها وأفكارها في تحف معمارية راقية، أما ضعفها وهوانها وتقليدها الأعمى لأوروبا في أواخرها نتجت عنه قصور جميلة، لا أستطيع إنكار ذلك، ولكن ليس لها أي صلة أو علاقة بثقافة الدولة التي بنتها، بل هي مجرد محاولة لتقمص الحضارة الأوروبية.

وهذا ما جعلني أقسم الحضارة إلى قسمين، حضارة حقيقية، وحضارة زائفة مقلدة.

فالحضارة الحقيقية، هي فن وعمارة وجمال ينبع من روح ثقافة واعتقادات هذه الحضارة، فنجد الحضارة اليونانية وتراثها ينبع من أفكارها وعقائدها، وكذلك الحضارة الفرعونية، والأوروبية اليوم، والصينية وغيرها.

كل حضارة منهم تعكس أفكار المجتمع التي نبعت منه، وهذه هي الحضارة الحقيقية.

أما الحضارة الزائفة، فهي ما نراه اليوم في عالمنا العربي، من تقليد أعمى للحضارة الأوروبية والأمريكية، من ناحية العمارة، واللباس، وحتى الأكل والشرب وطريقة الحديث ونمط الحياة، كل هذا لا يمكن أن يكون حضارة حقيقية، فهو غير نابع من داخلنا، ولا معبر عما في داخلنا من أفكار.

إن أردنا صنع حضارة، فإننا بكل تأكيد نحتاج أن نبدأ من حيث انتهى الآخرون، فلا حاجة إلى إعادة اختراع العجلة، ولكن يجب أن تكون لنا أسس ومبادئ واضحة تقوم عليها حضارتنا، مختلفة عن مبادئ وأسس الحضارة الغربية القائمة اليوم.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد