جاء فوز حزب العدالة والتنمية هذه المرة بطعم آخر، إذ لن يتبع هذا الفوز تشكيل الحزب الحكومة منفردًا كما جرت عليه العادة منذ ثلاثة عHشر عامًا فحسب، بل يمثل هذا الفوز استفتاءً مبكرًا للشعب على تحويل النظام السياسي للجمهورية من برلماني إلى رئاسي، وهذا الأمر يستلزم إعادة هيكلة مؤسسات الدولة ككل، ولكن هذه المرة وفق إرادة الحزب الحاكم، والذي سيُباشر هذه العملية بنفسه.

ربما كان هذا السبب الرئيس في تراجع الحزب في انتخابات حزيران الماضي، إذ أن الجمهورية ذات النظام البرلماني لا تستوعب أن يكون لها رمز ينافس مصطفى كمال أتاتورك، وهذا الأمر يمثل قيمة عليا في المجتمع التركي والتي طالما تعززت في العقل الجمعي التركي عبر عدة عقود مضت.

ولكن هذه الخطوة إن لم تأتِ اليوم فلن تأتي غدًا، إذ يمثل رجب طيب أردوغان الرمز المنافِس لأتاتورك والذي ربما لن يتكرر على الأقل في الفترة القريبة القادمة، وإذا ارتبطت الجمهورية الوليدة في عهد أتاتورك بتغيير نظام الحكم من الخلافة إلى الجمهورية، والتنازل عن مساحات واسعة كانت تابعة للخلافة العثمانية وقتذاك، والتي مثّلت فترة التراجع والانحسار؛ فإنها اليوم تستعد مع أردوغان الذي زار مع عائلته قبل أيام حفيدة السلطان عبد الحميد؛ لتدشين فترة التمدد والانتشار من جديد، كان ذلك ظاهرًا في خطاب رئيس الوزراء أحمد داوود أوغلو – على غير عادته – وكأنه يخاطب مليارًا ونصف مليون مسلم بدلًا من خمسة وسبعين مليون تركي، بل ويستدعي الـتأريخ السلجوقي فضلًا عن العثماني، ويخاطب الأمة بأجمعها، ويشرع في تكسير الخصوم المفرّطين بالقدس التي ستبقى لنا إلى الأبد على حد وصفه.

خطَّ أوغلو بخطاب الانتصار مشروع المؤسسة القادمة التي ستحكم تركيا وفق نظام جمهوري والتي سيمثل رمز دولتها الوليدة من جديد رجب طيب أردوغان، فالرمز لا يكسره إلا الرمز وإن كانت الشعوب قد تربت على وجود قائد رمز تتمسك به لعقود فإن هناك رمزًا ينتظر رفع صوره لقيادة الجمهورية القادمة.

لدى أردوغان الكثير من الأوراق التي مكّنته من اقتحام الساحة السياسية من جديد وإقحام خصومه من جديد أيضًا، كان أبرزها على الصعيد الدولي ورقة اللاجئين الذين طالما كانوا مَحَط اعتزاز للجمهورية التركية وموضع قلق للدول الغربية، التي اتهمها لمرات عدة أنها لا تعرف الديمقراطية وحقوق الإنسان والعدالة الدولية إلّا حين تتطابق مع مصالحها، فعرّضهم لاختبار حقيقي هدّد حتى وحدة الاتحاد الأوروبي ككل حين عبر آلاف اللاجئين من الأراضي التركية إلى دول أوروبا، والذين لاقوا ما لاقوه على معابر حدود تلك الدول الغربية واحدةً واحدة، وبرغم الموقف “البطولي” للمستشارة الألمانية أنجيلا ميركل في استقبال اللاجئين بحسب الكثير من المراقبين، إلا أنها لم تكن قادرة على استقبال جرعة ثانية من اللاجئين برغم ما حظيت به من تمجيد إعلامي لم يحظ به أردوغان طيلة سنوات الأزمة السورية المريرة. لا زالت ورقة اللاجئين ورقة رابحة تلوّح بها تركيا للغرب ولا زالت الدول الغربية متخوفة من سيل اللاجئين الذين كانوا يغرقون أو يُغرَقون قُبالة السواحل الغربية بحسب المصادر التركية.

هذه الورقة فتحت هامشًا آخر للتحرك التركي في ضرب حزب العمال الكردستاني وتحجيم دوره بمعزل عن الإدانات الدولية لتلك الضربات، وبذرائع عديدة منها ما ذكره الرئيس أردوغان مؤخرًا عن إرهاب يُمارَس من قبل حزب العمال ضد المواطنين الأتراك الآمنين ومنعهم من ممارسة حقهم الانتخابي في الانتخابات البرلمانية التي جرت في حزيران الماضي.

تتحرك تركيا اليوم بقيادة حزب العدالة والتنمية على مدار 360 درجة، فهي بالإضافة إلى كونها صمام أمان لحلف الناتو في المنطقة، فإنها تتمتع بأفضلية أوروبية بسبب الاقتصاد الصاعد لتركيا في الوقت الذي تعاني فيه أوروبا انكماشًا اقتصاديًا صعبًا أثّر على منظومة الاتحاد الأوروبي ككل، بالإضافة إلى دول الربيع العربي التي بقيت تركيا داعمةً مخلصةً لتحولاتها الديمقراطية التي انتكست ولم تنتهِ، فشعوب دول الربيع العربي اليوم تتطلع بشغف إلى التجربة التركية كمُخلّص لها من تبعات الحقبة الديكتاتورية من جهة، وتكلس القوى السياسية الرتيبة من جهة أُخرى، الأمر الذي سيجعلها مساحة قادمة لتصدير التجربة التركية إلى دول الربيع العربي، والذي سيصطدم مع المصالح الإقليمية والدولية في المنطقة. وعلى العموم فإن المستقبل مليء بالمتغيرات الذي بدأت ملامحه بالتشكل من جديد.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد