ارتبطت نهضة العديد من دول العالم بأسماء أشخاص كانوا مصدر إلهام للشعوب، والرئيس التركي رجب طيب أردوغان واحد من هؤلاء ويستحق أن يوصف بالربان لأنه نجح في قيادة السفينة التركية في بحر متلاطم الأمواج والوصول بها إلى بر الأمان على الرغم من التحديات الداخلية والخارجية التي واجهها هو وحزب العدالة والتنمية.

وأردوغان الذي درس في ثانوية الأئمة والخطباء، ثم في كلية علوم الاقتصاد والتجارة بجامعة مرمرة زعيم صاحب كاريزما، ويتضح ذلك من خلال مواقفه الشجاعة والقوية، وخطاباته الحماسية والتأثير على الجماهير، والاعتزاز بالتاريخ.

ومن الصفات التي يتميز بها أردوغان الوعي والفهم العميق للواقع وتعقيداته، وأردوغان أعلن منذ اليوم الأول لتأسيس حزب العدالة والتنمية أنه يحمل طابعًا ديمقراطيًا محافظًا، وأنه مفتوح أمام جميع المواطنين ليحقق مشروعًا وطنيًا نهضويًّا ينقذ تركيا من كبوتها الاقتصادية والسياسية.

وأردوغان لا يخفي توجهه الإسلامي وتأثره بأستاذه نجم الدين أربكان، وأردوغان نجح في إعادة مظاهر الإسلام تدريجيًّا إلى تركيا بعد عقود من المنع والتضييق والمحاربة على يد غلاة العلمانية.

التحديات التي واجهها أردوغان

أردوغان الذي مارس العمل السياسي مبكرًا وتولى منصب رئيس حزب “الرفاه” في إسطنبول عام 1985، وكان يبلغ من العمر آنذاك ثلاثين عامًا، وفاز في عام 1994 برئاسة بلدية إسطنبول، وتعرض للسجن، واجه في رحلته السياسية العديد من التحديات وفي مقدمتها الإرث العلماني التي خلفه كمال أتاتورك، والتركة الاقتصادية المثقلة بالديون والتي جعلت تركيا على وشك الإفلاس، والتحديات السياسية الداخلية المتمثلة في سطوة ونفوذ الجيش، والأحزاب العلمانية، ومشكلة الأكراد وحزب العمال الكردستاني.

والتحديات الخارجية تمثلت في انضمام تركيا للاتحاد الأوروبي، والتجاذبات الإقليمية، وتدخلات الدول الكبرى في المنطقة، ومؤخرًا الأزمة في سوريا.

وأردوغان أبطل نظرية المؤامرة التي يدعي البعض أنها السبب في تخلف العرب والمسلمين، فقد نجح أردوغان في النهوض بتركيا التي يقع جزء كبير منها في قارة أوروبا وضمن ما يعرف بالنادي المسيحي (الاتحاد الأوروبي).

والأساس الذي بنى عليه أردوغان السياسة الخارجية لتركيا هو أن العلاقات الدولية يجب أن تقوم على الندية وعلى المصالح المشتركة بين الدول وبعضها البعض، وهذه السياسة أخذت في الفترة الأخيرة بُعدًا إنسانيًا وخاصة فيما يتعلق بالأزمة السورية ومعاناة الشعب السوري، والمظالم التي وقعت في مصر ضد التيار الإسلامي وضد المعارضين للانقلاب العسكري بشكل عام.

وأستاذ العلوم السياسية أحمد داود أوغلو رئيس الوزراء التركي ووزير الخارجية السابق يعتبر مهندس السياسة الخارجية التركية، وهو صاحب نظرية “صفر مشكلات”، التي حافظت على الاستقرار التي تنعم به تركيا في محيط إقليمي مضطرب.

وسياسة “صفر مشكلات” التي نظر لها أوغلو واعتمدتها تركيا في سياساتها الخارجية لم تستطع الصمود في وجه المتغيرات الخارجية ومنها: الاعتداءات الصهيونية المتكررة على غزة والاعتداء على أسطول الحرية، والأزمة السورية، والتدخل الإيراني الفج في سوريا لصالح نظام بشار الأسد، والاعتداءات المتكررة لحزب العمال الكردستاني.

إنجازات أردوغان وحزبه

الوعي والانفتاح من أسباب نجاح أردوغان في قيادة تركيا نحو النهوض والتقدم، وما يحسب لأردوغان هو إيمانه بالقيم الذي يحتاجها أي مجتمع لكي ينهض ويتقدم وفي مقدمة هذه القيم: الحرية، والمساواة، والعدالة الاجتماعية.

وأردوغان استطاع أن يشق طريقًا وسطًا بين العلمانية والإسلام، ونجح في تجنب الصدام مع المؤسسة العسكرية التي انقلبت في السابق على أستاذه نجم الدين أربكان، وأردوغان لم يدخل في صراع مبكر مع الدولة ذات الطبيعة والتوجه العلماني، واكتسب شعبيته من خدمة الجماهير وتحسين أوضاع المواطنين في تركيا، وعندما سئل في أحد المؤتمرات عن خططه ومشاريعه المستقبلية قال إن أولوياته تتمثل في إصلاح نظام الصرف الصحي في إسطنبول!

والقيادات الشابة في حزب العدالة والتنمية نجحت في خدمة المواطنين، وفي التصدي للفساد والمفسدين، وفي تنفيذ مشروعات تنموية يستفيد منها جميع المواطنين الأتراك.

وبلغة الأرقام نجد أن حجم التجارة في تركيا عام 2002 كان 250 مليارًا، وفي عهد “أردوغان” بلغ حجمها أكثر من 840 مليارًا، والدخل القومي  للفرد في تركيا تضاعف أربع مرات ففي عام 2002 وصل إلى 3000 دولار، أما الآن فالدخل القومي للفرد تجاوز 11 ألف دولار.

ومن الإنجازات في عهد أردوغان تصنيع أول دبابة وأول طائرة تركية بدون طيار، وارتفاع الأجور بنسبة تزيد على 300%، وميزانية التعليم والصحة فاقت ميزانية الدفاع، وتم افتتاح 125 جامعة، وانخفضت نسبة البطالة من 38% إلى 2% فقط، وارتفع حجم الصادرات من 23 مليار دولار إلى 153 مليار دولار.

الوعي والوطنية

التقدم والازدهار الذي تنعم به تركيا يعود الفضل في جزء كبير منه لقيادات حزب العدالة والتنمية وفي مقدمتهم رجب طيب أردوغان، وأحمد داود أوغلو وقد اختارتهما مجلة “فورين بوليسي” عام 2011 ضمن أهم مائة مفكر في العالم، وذلك باعتبارهما أهم العقول التي تقف وراء نهضة تركيا الحديثة، والملفت للنظر في نهوض تركيا ونهوض غيرها من دول العالم هو وجود قيادات واعية ومثقفة أدركت تحديات الواقع وخططت جيدًا للمستقبل، وما نحتاجه عربيًّا هو قائد على درجة عالية من الفهم للواقع والتحديات التي يفرضها، والمعايشة لمشكلات وتطلعات الشعوب، والوعي بالمستجدات وبالمحيط المتغير، والوطنية التي تدفعه للنهوض ببلده والمحافظة عليها.

 

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد