يتفق أغلب الدارسين للعلوم السياسية أن السياسة تحكمها ثلاثة متغيرات أساسية رئيسة، ممثلة في علوم وجب الاطلاع عليها من أجل التحليل السياسي السليم، ومن أجل الاستشراف وبناء تصور معقول، ولعل هذه المتغيرات ترتكز أساسًا في: التاريخ، الاقتصاد، وعلم الاجتماع.

فالجزائر اليوم بحراكها الشعبي وصراعها الهرمي وأزمتها ككل، تشهد شحًا أكاديميًا وفكريًا للأسف من قبل من يسمون أنفسهم أساتذة علوم سياسية وتاريخ واجتماع، رغم أن هذا الوضع يعطي مادة دسمة لكل مستويات البحث العلمي من ملاحظة وتفسير وتنبؤ وفهم.

حسب رأيي، مطالبة الجماهير بإسقاط النظام أو التغيير الجذري له غير معقول بتاتًا، وهنا لا نلوم الجماهير على هذا المطلب؛ لأنها عاطفية ومشحونة بطبعها، ولأن السلطة السياسية هي التي تهاونت في الاستجابة للمطالب من الوهلة الأولى، وبذلك ارتفع سقف المطالب، وهذا شيء طبيعي، أما أن تنادي قيادات في أحزاب المعارضة، أو أساتذة جامعيون، بمطلب شعبوي غير سليم، وغير معروف العواقب، فهذه كارثة بكل المقاييس وضرب لتجارب الانتقال الديمقراطي عبر العالم وتجاهل لنتائج الدول العربية التي ليست عنا ببعيد.

ومحاولة منا لفهم وصقل المطلب الجماهيري بالتغيير الجذري للنظام، ممثلة في عبارة «يتنحاو قع» استنادًا إلى المنهج التاريخي والزاوية الاقتصادية ومنظور اجتماعي مع مشروع الانتقال الديمقراطي يمكن أن نقول:

1- إن تاريخ الجزائر لا يتعارض فيه اثنان، منذ الاستقلال والمؤسسة العسكرية تعين وتنهي المهام وفقا لأهوائها، فاللاشرعية للنظام الحالي تمتد جذورها إلى استحواذ بن بلة على السلطة الشرعية لرئيس الحكومة المؤقتة آنذاك بن يوسف بن خدة، ثم انقلاب بومدين على بن بلة اللذين حاولا التفرد بالسلطة.

ثم إن الشاذلي بن جديد عبر تزكية قيادة الأركان وفي ظل نظام الحزب الواحد، ما جاء به الشاذلي كان نعمة في باطنه نقمة في ظاهره، فالتعددية نقلت الوضع من عفن إلى أعفن، ثم إن هذه التراجيديا لم تتوقف ومضت ببوضياف المغدور وعلي كافي ووزرال المعينان عبر المجلس الأعلى للدولة الذي هو عبارة عن ثكنة عسكرية يأمر وينهي حسب أهوائه، إلى آخر رئيس جاء بعد 20 عامًا كان غائبًا عن دولة منهارة، ليرقى ويرتفع ويكبر في أعين الجزائريين عبر أفكار وجهد غيره، حتى وإن كان الرئيس المستقيل مؤخرًا عبد العزيز بوتفليقة شرعيًا في عهدتيه الأوليين، فإنه بدءًا من 2009 يعتبر رئيسًا لا شرعيًا بدليل دهسه للدستور، وبدليل المادتين 91 و92 بتكريسه للتسلط وفردانية القرار.

ولعل القاسم المشترك في كل هذا العرض البسيط، أن كل رؤساء الجزائر خريجو المؤسسة العسكرية وصنع مخابر الجيش، إلا أن الوضع الحالي لا يمكن للجيش أن يقدم رئيسا من أضلعه، لكن يمكن أن يساهم في صنع أحدهم أو تزكيته لأن الصراع بين الرئاسة والجيش على أشده وفرص التحالفات أصبحت شبه مستحيلة، ولأنه ليس ببعيد جهاز الأمن والاستعلامات الذي كان يمثل جزءًا من العلبة السوداء تم حله وهو يحاول جاهدًا للعودة إلى الواجهة، ولأن النظام السياسي ككل بحزبه العتيد وبمؤسسته العسكرية يعاني من أزمة اختلاق وصنع رجال فاستنفد كل مخزونه البشري، ويعجز عن التجديد وتقديم البديل المقبول جماهيريًا. وكما هو ملاحظ فإن المؤسسة العسكرية هي المؤسسة الوحيدة حاليا التي تقوم بوظائفها وتسير بشكل عادي بحكم أنها نظامية صلبة، وعليه فإن الرئيس القادم والحكومة القادمة يجب أن تكون في توافق مع الجيش لا في صراع معه.

2- الزاوية الاقتصادية مهمة جدًا من أجل فهم هذه القضايا، فرجال الأعمال المتحكمون في الاستثمارات طويلها وعريضها لا يعملون في معزل عن النظام السياسي، فهذا الأخير هو نسق تفاعلي تشتبك فيه العلاقات المتفرعة والمتضاربة حسب أدبيات علم السياسة، والمتحكمون في الاستثمارات ليسوا جدد في السياسة، وإنما يمتد نفوذهم داخل السلطة إلى أزمنة بعيدة، ومنهم من ساهم حتى في صنع حتى رؤساء وحول قرارات، والجماهير الآن مندهشة لأنها تعرفت على أحدهم، وأنه كان يمول محيط الرئيس، تندهش الجماهير من فمن حقها ذلك، لأنها علمت شخصًا ولا تعلم الكثير منهم. ورجال المال والأعمال في ظل دولة لا يمكن أن يقتصر عملهم في حيز دولتهم فقط، وإنما لديهم علاقات خارجية قوية ومتينة جدًا ترتكز على لغة المصالح وتحتكم إلى أبجديات المبادلة ورعاية الوعود، ناهيك أن الطرف الخارجي لا يريحه صعود تيار يهدد مصالحه، ولا يمكنه الركون والعزلة، وإنما يمهد ويخطط لضربات وتحركات مضادة، والحالة العربية ليست ببعيد عنا وتصريحات قيادة الأركان قبل أيام أكدت ذلك.

3- الدولة ما هي إلا عبارة عن كيان اجتماعي ـ حسب التعريف السوسيولوجي ـ تحكمه سلطة سياسية في ظل نظام سياسي يستمد شرعيته من قالب معين، والاجتماع على حكم شخص أو الإنصياع لمؤسسة ما، إنما هو ضرورة ملحة، وقد أثبت ذلك التاريخ الإنساني كله. والنظام السياسي ما هو إلا اجتماع مؤسسات وشخصيات ممثلة قوى وفواعل، تشترك في هدف ورؤية معينة، فرغم الاختلافات والتجاذبات بين هذه القوى والفواعل داخل النظام السياسي إلا أنها تتميز باللحمة والاشتراك في الهدف والمصير، نفس الأمر لدى المحكومين الذي برغم اختلافهم العرقي والديني أو حتى الأيديولوجي، إلا أنهم تجمعهم المواطنة والحقوق المدنية والسياسية والواجبات، والتغيير الجذري للنظام السياسي لا يتم بين عشية وضحاها، وإنما هو مخاض عسير لسنوات، حتى فريق كرة القدم الذي يتكون من 11 لاعبًا لا يمكنك تغييره دفعة واحدة، وإنما عبر مراحل وخطوات من شأنها أن تضمن التغيير من دون الإخلال بالفريق كفريق عمل مشترك ذي هدف، ودون السقوط في النتيجة من لقاء إلى آخر. هذا من أجل فهم عواقب التغيير الجذري السريع الذي يطالب به الكثير، بل أكثر من ذلك إسقاط النظام، فالأناة ومراعاة الانتقال السلس للسلطة هو الأساس في ظل تدافع قوى عديدة منها الظاهرة للعيان ومنها الخفية.

وعليه فإنه من واجب العارفين والمثقفين توعية الجماهير وتوجيههم وإبراز المصطلحات لهم من أجل معرفة الطريق التي نسلكها، وهنا يذكرني أنه حسب ما علمتنا العلوم السياسية فإنه هناك عددًا من المصطلحات التي تدور حول محور الدولة والنظام السياسي مثل: الحكومة، السلطة، نظام الحكم والنسق السياسي، ولكل مصطلح مقصده وتوظيفه.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد