يتواصل الصراع الاقتصادي، والسياسي بين قوى العالم، وأحلافه للحصول على المواقع الاستراتيجية، والموارد، والأسلحة المتطورة، وتخلق حروب وتوترات (مفيدة). وتعود جيوش الحماية من أبواب جديدة.

ماذا قال الرئيس الأمريكي ترامب للعاهل السعودي؟ هل قال له إنك لن تبقى في الحكم لأسبوعين بدون الجيش الأمريكي؟ لكن لماذا قال ذلك؟

في التكنولوجيا والمبتكرات كتب السيد جاستن فوكس مقالًا نشرته صحيفة الشرق الأوسط اللندنية بالاتفاق مع بلومبيرغ. تحت عنوان (عندما تكون التكنولوجيا مستوردة يصعب الابتكار). تحدث كاتب المقال عن الصراع الصامت بين أمريكا والدول الصناعية الأخرى المنافسة لها في التكنولوجيا، وعن المخاوف الأمريكية من الصين المنافس القوي.

يورد جاستن فوكس على لسان روبرت أتكينسون من موسسة تكنولوجيا المعلومات والابتكار – وهي موسسة بحثية ثنائية التوجهات – قوله: إن أفضل منهج ينبغي على الحكومة الأمريكية اتخاذه في المستقبل هو النظر إلى ما هو أبعد من مجرد التكنولوجيا الحالية، وأضاف: التكنولوجيا التحويلية المقبلة في مجال الطاقة الشمسية؟ وكيف يمكننا أن نتصدر زعامة العالم في هذا المجال؟

يقول الدكتور محمد الملكاوي في محاضرة له بعنوان: (التكنولوجيا مظهر من مظاهر نهضة الأمم) – قدمت هذه المحاضرة 1993 إربد، بالأردن – مع ظهور الطاقة الحديثة، وبروز إمكانية زيادة الإنتاج في أقل الأوقات، وضبط جودة المنتجات بشكل آلي وسريع، وظهور إمكانية نقل البضائع عبر مسافات واسعة وبزمن قصير، بدأ التمايز يظهر بين الأمم والشعوب من حيث امتلاك المقدرة على القيام بالعملية التكنولوجية.

يقول الدكتور ملكاوي: لقد برزت على العملية التكنولوجية الحديثة ناحيتان مهمتان هما:

1- إمكانية إنتاج كميات كبيرة من البضائع تفوق حاجة الجهة المنتجة؛ ما يستدعي تسويقها في أماكن لا تتمكن من إنتاج حاجتها في الوقت المطلوب.

2- إمكانية إنتاج مواد (صناعات) استراتيجية تمكن الجهة المنتجة من إحراز تفوّقٍ استراتيجي ضمن مجالها الحيوي أو الاستراتيجي.

وإمكانية تحقيق أي من هذين الأمرين يعتمد بشكل مباشر على نوعية التكنولوجيا المستعملة، أي على نوعية الطاقة، ونوعية المعلومات المتوفرة عن الطاقة وعن المادة الخام، ونوعية المادة الخام، ونوعية الآلات المستعملة في العملية التكنولوجية.

ومن هنا فقد ظهر سباقٌ واضح على امتلاك التكنولوجيا النوعية التي تحقق واحدة من الغايتين أو كلتيهما، سباقٌ بين مؤسسات تجارية داخل البلد الواحد من جهة، وسباق بين دول من جهة أخرى.

لقد بدأت علامات التسابق نحو امتلاك التكنولوجيا النوعية مع بداية هذا القرن، إلا أنه لم يظهر تفوق جهة على جهة، إلا بعد الحرب العالمية الأولى. حيث ساعدت نتائج الحرب على إعطاء بعض الدول ميزات ساعدتها على الإسراع في امتلاك صناعات متطورة، في الوقت الذي حدت من مقدرة دول أخرى على المضي في السباق.

الطريق إلى بناء تكنولوجيا متطورة

يتابع الملكاوي: إن عملية بناء تكنولوجيا متطورة في البلدان التي تفتقر إليها تعتمد على ناحيتين مهمتين: فكرية أيديولوجية وعملية تكنولوجية.

الأولى هي الناحية الفكرية وهي الأساس في إيجاد وعي دقيق على ضرورة إحداث ثورة صناعة في بلد ما، كما هو ضرورية في تحديد الغاية من امتلاك التكنولوجيا؛ وذلك من أجل توجيه الصناعة بالوجهة المطلوبة. ويلاحظ في البلدان الصناعية الكبرى مثل الولايات المتحدة أثر الناحية الفكرية المستمر على اتجاه التكنولوجيا.

ونضرب مثلًا لذلك مسألتين: مسألة حرب النجوم، ومسألة شبكات الكمبيوتر. أما حرب النجوم فقد أرادت أمريكا أن تمتلك تفوقًا استراتيجيًا حادًا على الاتحاد السوفياتي، يضطره إلى الاستسلام الفوري. فطلبت حكومة أمريكا من معاهد البحث والشركات الكبرى أن تستثمر أموالًا وبحوثًا من أجل استحداث سلاح يستطيع أن يعترض الصواريخ الروسية عابرة القارات قبل أن تصل أهدافها. ورصدت الحكومة لذلك ما يزيد على 200 مليار دولار خلال خمس سنوات. ومن نتائج تلك البحوث والصناعات، كان صاروخ الباتريوت الذي استعمل في الحرب ضد العراق.

أما شبكات الحواسب فقد أرادت الولايات المتحدة أن توجد شبكة متصلة من مجموعة حواسيب يكون كل واحد فيها بديلًا عن الآخر في حال حدوث خلل في هذا الجهاز. واعتبر هذا مشروعًا استراتيجيًا، خاصة في حالات الحروب المدمرة. ونتج عن ذلك تكنولوجيا شبكات الحواسيب التي بواسطتها يرتبط أكثر من 20 مليون مشترك في جميع أنحاء العالم. ومن هنا يلاحظ أن للفكر الذي يحمله أصحاب السلطة أو المسؤولون في بلد ما أثر كبير على توجيه الصناعة في حال وجودها على وجهة معينة.

ما هو الفكر الذي يحمله أصحاب المعالي في البلدان العربية؟ هل من ضمن أفكارهم الصناعة، والإنتاج والتكنولوجيا؟ أم الاستهلاك والاستهلاك فقط؟

يضيف: كما أن لهذا الفكر أثر واضح في توجيه البلد نحو امتلاك التكنولوجيا النوعية؛ سواء كان من أجل زيادة رأس المال كما هو عند الغرب، أو من أجل بسط نفوذ الشيوعية على العالم كما كان الحال عند الاتحاد السوفيتي.

فالبلد الذي يريد امتلاك تكنولوجيا متطورة لا بد أن يمتلك قبل ذلك فكرة دافعة، تدفعه إلى امتلاك التكنولوجيا النوعية التي تحقق له الهدف الذي يسعى إليه.

هل نمتلك فكرة دافعة لامتلاك التكنولوجيا؟ أين نحن؟

من أهم النظريات الإعلامية، نظرية انتشار المستحدثات والمبتكرات، وهي تؤكد على رغبة الشعوب المتطلعة للتفوق، إنها تحرص أن تكون مصدر المستحدثات لا المستهلكة لها فقط!

إن هذه النظرية الخطيرة، تقسم العالم إلى شعوب نامية متطورة، وشعوب نائمة تستيقظ على المبتكرات بعد أن تصبح غير مجدية بما يكفي في مجتمعاتها.

خطورة هذه النظرية أنها تقسم العالم إلى صانع للأحداث، ومتلق باندهاش، وما تصبه وسائل الإعلام من أخبار، ومعلومات على الرأس كل دقيقة، ما هو إلا بفعل هذه المستحدثات، لذلك نجد حركة المعلومات والأخبار من أعلى إلى أسفل من الصانع في غرب أروبا وأمريكا في الشمال إلى المستهلك في الجنوب.

إن هذا التسابق المحموم بين الشركات عابرة القارات في توزيع منتجاتها، وخلق أسواق جديد مستهلكة واحدة من نتائجه الظاهرة التحالفات السياسية بين القوى الإقليمية والدولية.

الصراع في المستحدثات والمبتكرات – على مستوى الإعلام – أخرج وكالات أنباء عالمية عريقة عن المنافسة في سوق الإعلام العالمي، إنترفاكس الروسية وأشيتد برس الأمريكية مثال على ذلك.

إن الدول الصناعية المصدرة قد تمكننا من المبتكرات، لكن هل تمكننا من قطع الغيار؟ وقطع الغيار سوق عالمية بذاتها.
وإذا استطعنا امتلاك قطع الغيار من أين لنا بالفنيين المدربين عليها؟

تستطيع نخب ومجتمعات السلطة في دول الجنوب آسيا وأفريقيا أن تحصل على هذه التقنيات من الشركات العملاقة لإدارة مشاريع (خاصة)! لكن كيف تحصل على الموافقة؟ عبر عطاءات؟ كم هو الثمن الذي تدفعه الشعوب؟ هل نستطيع أن نتحدث عن مسؤوليات اجتماعية وأخلاقية لشركات لا تعرف الشعوب في هذه الدول كيف أتت؟ عبر رشا؟

إذا افترضنا أن هذه الشركات استلمت العمل عبر عطاءات واستوفت كل الشروط الفنية، من سيضمن الموافقة الحرة والمسبقة والمستنيرة لسكان الإقليم الذي تقام فية هذه المشاريع؟ هل تحفل الحكومات عندنا بمفاهيم التنمية المستدامة وحقوق السكان الأصليين في الموافقة الحرة والمسبقة والمستنيرة؟

وتشدد مفاهيم الأمم المتحدة على أنه: ينبغي التماس الموافقة الحرة المسبقة المستنيرة قبل بداية الأنشطة أو الإذن بالشروع بوقت كاف، مع مراعاة إجراءات اتخاذ القرارات في مجتمعات الشعوب الأصلية خلال مراحل التقييم والتخطيط والتنفيذ والرصد والتقييم وإنجاز المشروع المعني.

لهذا تخاف النخب الصناعية في أوروبا وأمريكا من غزو تكنولوجي خارجي! وتخاف حكومات بلادها. من ماذا نخاف نحن؟
لو قدر لهذا المقال أن يقرأه حاكم عربي – قلت لو قدر – لأجاب سريعًا: نخاف من الله!

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

المصادر

جستن فوكس مقال منشور - صحيفة الشرق الاوسط اللندنية -بتاريخ 31/يناير 2018م
د.محمد ملكاوي محاضرة منشورة - الموقع الالكتروني لمجلة الوعي _ 2016/10/30
الدليل الفني للموافقة الحرة المسبقة والمستنيرة _ الموقع الالكتروني لمنظمة الاغذية والزراعة _ موضوع الشعوب الاصلية
عرض التعليقات
تحميل المزيد