ترتبطُ بالأطباء الكثير من الصفات الحسنة، كالرحمة والمساعدة والإنقاذ، ولكن في المقابل هناك تعبيرات سيئةٌ تُنسب إليهم، كالمادية والجَشع، وحتى قد يُوصفونَ بأنَّهم مجرمون, فهل فعلًا الاطباء مجرمون؟

ينظرُ الناسٌ إلى الطبيب بأنَّه يجب أن يكون كشخص عالمًا ومثقفًا يمتلك كمًا هائلًا من الرحمة، وأن لا يتوانى عن مساعدة أي مريضٍ محتاج، وأن يكون متواضعًا وعطوفًا، وأن لا يتصرف كعامة الناس, بل يجب أن يلتزم بقواعد وضوابط معينة تَتَعلق بالكلام والفكر والتعامل والمظهر الخارجي, ويكون بذلك الطبيب تحت مجهر المجتمع في تقييم مستمر؛ لذا فإن أخطاءه سريعة الانتشار.

لا شك أن الكثير من هذه الضوابط مطلوبة ومهمة للطبيب، ولكن في الوقت نفسه، فإن عددًا ليس بالقليل منها، تُثقل كاهل الطبيب، وتحد من حريتهِ الشخصية، بما لا طائل منه، إلا في زيادة عدد أصابع الانتقاد الموجهة إليه, وعندما يحاول الطبيب التخلص من هذه القيود وممارسة حياة عادية عفوية، فإنَّه يُتّهم بقلة احترامه لمهنته.

ومن جهة أخرى توجد عدة أماكن يحدث فيها سوء فهم بين الناس والطبيب، والتي تُعتِمُ من صورة الطبيب، منها:

في العيادة الخاصة

يُتّهم الطبيب في عيادته بأنَّه جَشع ومادي؛ فالمال الذي يتقاضاه الطبيب من المريض، وإن كان أحيانًا مرتفعًا في نظر الفقير، إلا أنَّهُ لا يرقى إلى مستوى الجشع. وسوء الفهم هُنا مصدره أن المريض يَظنُّ أن المال الذي يُنفقُهُ على الفحوصات والعلاج يذهب للطبيب، بحجة أنَّهُ هو الذي كتبَهُ, فَلو أنفقَ المريض 20 دولارًا كأتعاب الطبيب، و50 دولارًا للفحوصات، و30 دولارًا للعلاج، فإنه سيقول أنفقتُ على الطبيب 100 دولار.

في المشفى الحكومي

في المشافي الحكومية يُتَّهم الطبيب بالتَقصير, وهنا، وإن كان يوجد تقصير من بعض الأطباء، إلا أنَّ الغالبية تؤدي عملها كما هو مطلوب، ومنهم من يزيد على المطلوب, وسوءُ الفهم يحصل هُنا بسبب عدم معرفة الناس بمهام الطبيب؛ فالكثير يتصورن أنَّ كل شيء في المشفى هو مسؤولية الطبيب، والحقيقة أنَّ المشفى مكون من عدة أجزاء «صحي, إداري, فني، هندسي»، لكل منهم مهامه، والطبيب هو جزء منهم، له مهامه المحددة، التي يقوم بها، ولا علاقة له بتقصير الآخرين.

الحالة النفسية

كل المرضى يأتون إلى المشفى وهم مُكرَهون؛ لذلك فإن الوضع النفسي لهم ولذويهم يكون متوترًا, وكذلك الطبيب يُعاني من ضغوطٍ نفسية في العمل، وإنَّ تصادم شَخصين متوترين يُؤدي إلى الكثير من سوء الفهم، وهنا المسؤولية تقعُ على عاتق الطبيب أكثر من المريض؛ فهو الذي يجب أن يتغاضى عن توتره؛ لأنَ ضغط العمل دائمًا أهون من ضغط المرض..

الأمراض المستعصية

وجودُ أمراضٍ مستعصيةٍ ومزمنةٍ تَفرضُ زياراتٍ متكررةٍ للعيادات والمستشفيات, وبالتالي إنفاقُ مالٍ أكثر، وإهدار وقت أطول من دون ملاحظة فائدة ملموسة؛ لأن المرض مستعص, وهذا يُسببُ إزعاجًا للمريض والطبيب على حد سواء، وهي أيضًا تُعتبرُ مادة دسمة لقصصٍ محزنة تنتشر في المجتمع بسرعة، فَيفهمها الناس على أنها ضعف عند الأطباء، وبذلك تُشوَّهُ صورةُ الطبيب بِنظر الناس.

الأخطاء الطبية:

الخطأ الطبي هو شرٌ لا بُدَ مِنهُ إذ يستحيل عدم وقوع أخطاء في ميدان العمل الطبي لأنَ الطبيب بَشر والخطأ مِنهُ وارد, ويقصد بالخطأ الطبي هنا هو الخطأ الذي يحصل بحكم العمل لا الخطأ الذي يحصل بحكم قلة المعرفة والخبرة فهذا الخطأ غير مبرر. وهنا ممكن ان يفهم الخطأ الطبي على انه اهمال وعدم مبالاة وبالتالي تَغويل لصورة الطبيب.

الشخصية الفطرية

لا يستطيع الطبيب فَصل شَخصيَّتهِ وطَبعِهِ عن عملهِ؛ لذا فإنك قد تقابل طبيبًا «عصبيًا, فكاهيًا, عبوسًا, لطيفًا,…» فهذا ما خلقوا عليه, والواجب على الطبيبِ أن يُقللَ قدر المستطاع من سِماتِهِ السلبية، وأن يُعامل المريض وأهل المريض بكل احترام، وأن يُجيبَ على كلِّ تساؤلاتِهم بِدونِ تَضجّر, وإن حَصلَ سوء فهم، فالواجبُ على الطبيب أن يتلافاه؛ لأنَّهُ مُدَرَّبٌ على إدارة المواقف المختلفة, وإن بدر تصرف سيئ من أحد الأطباء، فإننا لا نقول: هو سيئ؛ لأنه طبيب، بل نقول هو سيئ لأنه مفطور على السوء، ولو عمل في أي مجال لبقى سيئًا.

لا ينكر منصف وجود أطباء سيئين، ولكن نسبتهم قليلة جدًا مقارنة بالجيدين، ولكن تعميم صفات السيئين على الجيدين هو الذي ضَخَّم المسألة, فلو شَخَّصَ الناس الطبيب السيئ باسمهِ وتَجنبتهُ الناس لكان خيرًا لهم، بدلًا من تعميم السوء على أطباء مدينة بأكملها.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

علامات

الأطباء
عرض التعليقات
تحميل المزيد