كيف تولد لنا هذا الكم الهائل من المعرفة والعلوم
البشرية؟

كل العمليات الفكرية، الاختراعات، الاكتشافات، وكل المؤلفات البشرية في شتى مجالات العلوم، منذ أول بشري على سطح هذه المعمورة، وحتى يومنا هذا مبينة على ما توفره أدوات إدخالنا الأساسية، العين، الأذن، اللسان، الأنف، الجلد من معلومات إلى الآلة الفكرية الموجودة داخل رأسنا «العقل»، الأعمى نظرته إلى هذا العالم صوتية ذوقية شمية حسية فقط، لقد فقد أداة مهمة من أدوات إدخال المعلومات، وهي العين التي توفر لنا كمًّا هائلًا من الصور والأشكال، بالتالي ستبقى نظرته ورؤيته للعالم ناقصة وقاصرة، الأصم رؤيته لهذا العالم شكلية، بينما الأصم الأعمى مجال معرفته عن هذا العالم سطحية جدًّا، مجرد مجموعة من الطعوم والملموسات، ولكن هذا لا يعني، ولا بأي شكل من الأشكال، أنَّ المعرفة الإنسانية مصدرها الحواس فقط.

هناك فرق بين المعلومات وأدوات إدخال المعلومات، فلو كان لدينا مليون ملف صوتي داخل الكمبيوتر، ستبقى ملفات عبثية لا معنى لها في حال غياب برنامج الميديا بلاير الذي يشغل الأغاني، أي وجود البرنامج المعالج للصوت، وكذلك الإنسان دون وجود آليات فكرية قادرة على معالجة هذه المعلومات وتحليلها في سبيل توليد معارف جديدة، أو إطلاق أحكام معينة، ستبقى معلومات عبثية لا فائدة منها أبدًا، وبالمجمل الإنسان السليم رؤيته لهذا العالم محصورة فقط داخل صندوق الدنيا.

ماذا لو كنا نملك أدوات إضافية تعزز المعارف البشرية وتنميها وتقويها؟!

سؤال يطرح نفسه بقوة، وأقصد بذلك أشياء أخرى غير العين، والأذن، واللسان، والأنف، بالإضافة إلى مناطق فكرية جديدة في الدماغ نستطيع من خلالها إدارة هذه الأدوات، ذلك لكي نصل في نهاية المطاف إلى حل أعظم الألغاز التي عرفها تاريخ البشر كله وأقواها، ولهذا السبب القول بأن كل شيء وراء الطبيعة من اختراع العقل البشري، برأيي، عبارة عن هراء وكلام فارغ.

لو فرضنا أنه لا يوجد في قاموس الإنسان شيء اسمه الأشجار، لو جاءنا أعظم مفكر، وأعظم فيلسوف وشرح لنا شكل الشجرة، فلن تستطيع أن تتخيل الشكل الحقيقي للشجرة حتى تراها بعينك، وإن لم ترها سترسم لها صورة غير حقيقية، ولو لم يذكرها لك هذا الفيلسوف، فلن تخطر ببالك أبدًا، ولو لم تذق في حياتك طعم التفاح، لو ألفوا لك 100 كتاب عن طعم التفاح فلن تعرف طعمه، ولكن قطعة صغيرة جدًّا على اللسان ستحسم الأمر كله.

العقل البشري لا يستحدث نظرته من العدم، الأفكار الغيبية لها روح، وإنْ دخل عليها التحريف، ولكني أقصد الفكرة الأولى، تلك التي انبثق عنها كل شيء، هذه لم تأت من العدم، لا بدَّ أن لها روحًا، حتى الكثير من الأساطير التي نسجها الإنسان لم تأت هكذا خبط عشواء، هناك فكرة جوهرية بني عليها كل شيء، وكذلك عالم الأحلام لا يشذ عن هذه القاعدة، كل أحلامك محصورة ضمن صندوق الدنيا، فالأشياء التي تراها في المنام هي نفسها التي نعرف، شجرة، بيت، شارع، نهر، ولو كانت الأحلام تحوي الغيب لرأينا في أحلامنا شيئًا مختلفًا عما نعرف، شيئًا آخر غير الإنسان والحيوانات والطيور، من أجل ذلك، وهذا رأيي، كل فكرة خارج حدود الطبيعة لا يمكن للعقل البشري أن يستحدثها، لا بد أنَّ هناك من بعثها من خارج حدود هذه الطبيعة، ثمَّ قذفها في عقل الانسان، ولكن بما أنَّ العقل البشري يملك قدرة كبيرة ورهيبة على معالجة المعلومات وتوليد أشياء جديدة منها نُسجت لنا كل هذه الأساطير والخرافات.

«وَكَذَٰلِكَ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ رُوحًا مِّنْ أَمْرِنَا مَا كُنتَ تَدْرِي مَا الْكِتَابُ وَلَا الْإِيمَانُ وَلَٰكِن جَعَلْنَاهُ نُورًا نَّهْدِي بِهِ مَن نَّشَاءُ مِنْ عِبَادِنَا وَإِنَّكَ لَتَهْدِي إِلَىٰ صِرَاطٍ مُّسْتَقِيم».

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

المصادر

رأي فكري يمثل صاحبه فقط
عرض التعليقات
تحميل المزيد