هل الجنون وأمراض النفس هي أمراض فعلا كما عرفها العالم؟ أم هي ضريبة تميز وتفرد

عشنا عمرنا كله نعرف أن الاضطرابات النفسية والجنون هي أمراض، ولها علم هو علم النفس، ولها أطباء وأدوية.

ولكن في رواية الراهب الأسود للمبدع أنطون تشيخوف يطرح تشيخوف تساؤلًا مهمًا: هل الجنون وأمراض النفس هي أمراض فعلًا كما عرفها العالم؟ أم هي ضريبة تميز الإنسان وتفرده؟ هل من خصال العباقرة والأفراد المميزين الاضطراب النفسي والجنون؟

الحقيقة جاء تشيخوف ورسم شخصية أندريه كوفرين، وهي شخصية البطل في رواية الراهب الأسود، رسمًا متقنًا وبارعًا، واستطاع أن يسبر أغوار النفس البشرية بشكل مذهل، أندريه كوفرين ذلك الأستاذ الجامعي الحاصل على الدكتوراه في الفلسفة، الذي أوصاه الأطباء بالراحة والسفر إلى الريف؛ لإراحة أعصابه، يعود إلى الأسرة التي تربى في كنفها ليرتاح من ضغط العمل، كان كوفرين شخصًا لطيفًا يحب الضحك والمرح والاستمتاع بوقته، وكان يحبه الجميع، وخاصة بيسوتيسكي وابنته تانيا؛ لأنها هي العائلة التي تربى معها، لكنهم تفاجؤوا به أنه شخص قليل النوم، ينام ساعة أو ساعتين في اليوم، ولا يكف عن القراءة والكتابة، وأنه شخص لا يرتاح دائمًا، يصل الليل بالنهار، ويصل الأيام بعضها ببعض. قدموا له الكثير من النصائح، لكنه فضل أن يظل كما هو. وبعد فترة بدأ الموضوع يخرج عن السيطرة.

وبدأ كوفرين يتحدث أن هناك أسطورة عن راهب يرتدي الأسود، له شعر أبيض وحاجبان أسودان، رجل كبير السن وأنه رجل رآه الناس يمشي على الماء، وهناك من رآه في عدة أماكن في بلاد مختلفة في الوقت نفسه، وأنه لا يظهر سوى كل ألف سنة، ثم يختفي ولا يتذكر أين سمع تلك الأسطورة، يظن أنها ربما أسطورة إغريقية أو ما إلى ذلك، لكن الحقيقة أن تلك القصة ما هي إلا من وحي خياله، لكنه سوف يكتشف ذلك متأخرًا. ثم بعد ذلك يتطور الأمر إلى أنه في أحد الأيام رأى إعصارًا فوق البحيرة، ورأى ظل رجل يخرج من الإعصار، وينظر ليتفاجأ بالراهب المرتدي السواد صاحب الشعر الأبيض والحواجب السوداء اقترب منه، وسأله إذا كنت حقيقيًّا، فأخبره أنه فقط من وحي خياله، ولكنه جاء لينبهه أنه من عباد الله المميزين، يعد نفسه من الرسل والمسؤولين عن نهضة البشرية، إنهم أولئك العباقرة هم أبناء الله. ويدور بينهم حوار لهو من أكثر الحوارات العبقرية التي قرأتها في حياتي:

«أتؤمن بخلود البشر؟ نعم طبعًا. إن مستقبلًا باهرًا ينتظركم أنتم البشر، وكلما كثر أمثالك على الأرض تحقق هذا المستقبل أسرع، فلولاكم أنتم الذين تخدمون الغاية الأسمى وتعيشون بوعي وحرية لكانت البشرية تافهة. ولو تطورت وفق النظام المألوف لظلت طويلًا تنتظر نهاية تاريخها الأرضي. أما أنتم فسوف تدخلونها ملكوت الحقيقة الخالدة قبل الأوان ببضع آلاف من السنين. أنتم تجسدون البركة الإلهية التي لم يحظ بها البشر».

ثم يستأنف معه ذلك الحوار الشائق وبرع تشيخوف في كتابة كل حوارات الرواية حقيقة.

«أنت شبح؟ تهيؤات؟ وإذن أنا مريض نفسيًّا، مجنون؟ حتى لو كان كذلك فيم الخجل؟ أنت مريض لأنك عملت فوق طاقتك وأجهدت نفسك، وهذا يعني أنك ضحيت بحياتك، بصحتك في سبيل الفكرة، وقريبًا يحل الوقت الذي تهبها فيه حياتك أيضًا. فهل هناك ما هو أفضل؟ إن هذا ما تسعى إليه عادة كل الشخصيات الموهوبة النبيلة».

وأخيرًا نصل إلى أكثر الحوارات عبقرية في النص.

«وإذا ما كنت أعرف أنني مريض نفسيًّا، فهل أستطيع إذن أن أثق في نفسي؟ ولماذا تعتقد أن العباقرة، الذين يثق بهم العالم أجمع لم يروا هم أيضًا أشباحًا؟ ألا يقول العلماء الآن إن العبقرية صنو الجنون. يا صديقي الأصحاء والطبيعيون هم فقط الأشخاص العاديون، أفراد القطيع».

«ولكن الرومان قالوا: العقل السليم في الجسم السليم. ليس كل ما قاله الرومان أو الإغريق حقيقة. فالمزاج العالي، والاستثارة والنشوة أي كل ما يميز الأنبياء والشعراء وشهداء الفكرة عن الناس العاديين يتنافر مع الجانب الحيواني في الإنسان؛ أي صحته البدنية. أكرر: إذا أردت أن تكون صحيحًا وطبيعيًّا؛ فاذهب إلى القطيع».

طبعًا هناك أمثلة لمبدعين اتهموا بالجنون، ومن أشهر الأمثلة الموسيقي موزارت، وهو معجزة في عالم الموسيقى. ونجيب سرور وهو شاعر، وممثل، ومخرج، وكاتب، ومتعدد المواهب لم يستوعبهم أحد، بل وصفوا بالجنون، ولم يتفهم أحد أنه فقط روح المبدع والفنان، روح طلقة لا تتحمل القيود ولا الروتين.

قامت عائلة كوفرين طبعًا بالذهاب به إلى الطبيب وعولج، لكنه لم يتحمل، تحول لشخص عصبي وسيئ المزاج، وظل كذلك حتى رأى الراهب الأسود مرة أخرى، وكان ذلك آخر يوم في حياته. إذن قد تكون أحيانًا الاضطرابات والتقلبات النفسية سمات عبقرية، وليست مرضًا نفسيًّا يستحق العلاج.

«لماذا عالجتموني؟ محاليل البروم، والبطالة، والحمامات الدافئة، والرقابة، والخوف الجبان من كل رشفة، من كل خطوة، كل هذا سيؤدي بي في النهاية إلى البله، نعم لقد جننت كنت مريضًا بجنون العظمة، ولكنني كنت مرحًا، نشيطًا، بل سعيدًا، كنت ظريفًا وأصيلًا، والآن أصبحت أعقل وأرصن، ولكنني صرت مثل الجميع، أنا عادي».

«ما كان أسعد بوذا، ومحمد، وشكسبير؛ لأن أقاربهم الطيبين والأطباء لم يعالجوهم من النشوة والوحي! لو أن محمدًا كان يتناول يروميد البوتاسيوم ويعمل ساعتين فقط في اليوم، ويشرب اللبن، لما تبقى بعد هذا الإنسان الرائع. سيتمكن الأطباء والأقارب الطيبون في نهاية الأمر من جعل البشرية تتبلد. وسوف تعد العادية عبقرية، وستهلك الحضارة».

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد