ما تزال تلقى أفكار د. عبد الوهاب المسيري رواجًا بين صفوف الإسلاميين، وما انفكوا ينهلون ومن أطروحاته ويستبطنون منهجه التفكيكي؛ في سبيل تدعيم أيديولوجيتهم، ومقارعة خصومهم؛ عسى أن يكونوا من الغالبين.

رغم أن تناول الجمهور الإسلامي للمسيري لا يخلو من غرض نفعي في نفس يعقوب، إلا أننا في هذا المقال لا نسعى وراء بيان ذلك، لكن غايتنا محاولة قراءة الحركات الإسلامية من خلال نموذج “الجماعة الوظيفية”، الذي استخدمه المسيري لقراءة الحركة الصهيونية والدولة الصهيونية بدلًا من نموذج “المؤامرة” الذي ما زال الإسلاميون مولعين باستخدامه.

بدايةً لا يمكن إخفاء أثر الكولونيالية في نشأة حركات الإسلام السياسي كحركات مضادة للحداثة، وقد خاض الإسلاميون معارك ضارية مع الكولونياليين ثم مع أسلافهم ما بعد الكولونياليين أصحاب التوجه القومي، والنزعة الاشتراكية في الاقتصاد، والصبغة العسكرية، وحتى هنا يردد الإسلاميون مقولات المسيري حول الجماعة الوظيفية ويسقطونها على العسكر.

ومن هذا الصراع الذي يدور أواره حتى هذه اللحظة، لا يستبعد أن يتحول الإسلاميون خلاله إلى جماعة وظيفية داخل المجتمع مما أفقدهم أهم ما يزعمون أنهم يتميزون به، وهو وجود حاضنة شعبية لهم، عكس خصومهم الغارقين في التنظيرات الأيدولوجية.
وإذا كان الاستعمار يحاول أن يستخدم الأقليات كجماعات وظيفية تضطلع بوظائف وتتمتع بامتيازات حتى تدين له بالولاء، فلم لا يكون الإسلاميون قد تم استخدامهم فعلًا؟

يبغي المجتمع أن يحافظ على تراحمه وقداسته ومثالياته، لذا يسعى إلى استخدام بعض الموظفين للقيام بوظائف لملء الفجوات التي تنشأ بين رغباته وحاجياته وبين مقدرته على إشباعها سواء كانت اقتصادية كالمُرابين أو أمنية كحراسة الحاكم أو الفرق العسكرية الخاصة كالمماليك، وسواء كانت مهمة ومتميزة كالأطباء والصيارفة أو مشينة كالبغاء والتنجيم. ويتوارث أعضاء الجماعة الوظيفية خبرات مجالهم الوظيفي عبر الأجيال ويتوحدون معها، ويعرف عضو الجماعة الوظيفية من خلال وظيفته، وبذلك يتم اختزال إنسانيته في بعد واحد ألا وهو وظيفته.

ومن ثم تكون العلاقة بين المجتمع من جهة وبين الجماعة الوظيفية من جهة أخرى هي علاقة تعاقدية نفعية، ويقوم كل طرف في العلاقة بحوسلة الطرف الآخر والتعامل معه باعتباره وسيلة ومادة نافعة. فيقوم المجتمع بعزل أعضاء الجماعة الوظيفية ليشعر بعد ذلك أعضاء الجماعة الوظيفية بالغربة والعجز.

وينتج عن هذا انفصال أعضاء الجماعة الوظيفية عن الزمان والمكان ويتعلقون بمكان أو زمان أصلي يتوقون للعودة إليه وتهفو نفوسهم لاسترداده، ويتعمق الإحساس بهوية مستقلة متخيلة. ثم يطور الطرفان رؤية أخلاقية ثنائية، فما يسري من مطلقات أخلاقية لا يسري على الآخر. وأخيرًا يتميز أعضاء الجماعة الوظيفية بالحركية باعتبارهم عنصرًا فاعلاً، وآلة بشرية.

كما يحاول كل طرف تعظيم منفعته ولذته مستخدمًا الآخر، وأيضًا تقوم النخبة الحاكمة التي توظف أعضاء الجماعة باستخدامهم كأداة لقمع الجماهير، أو امتصاص ما يفيض من ثرواتهم، وهي تضمن بقاءهم، لكن نفس الوقت لا يشركونهم في الحكم.

في السطور السابقة حاولنا إيجاز أطروحة المسيري حول الجماعة الوظيفية، وحان الوقت لتطبيق هذا النموذج على الوضع الإسلامي الراهن:

لا يمكن أن نقول إن الاستعماريين ثم خلفاءهم قد تعاملا مع الإسلاميين بأسلوب واحد: فأسلوب الاحتواء، والتدجين للصوفية والسلفية مقابل بعض الامتيازات وسقف حرية مفتوح قليلًا، وأسلوب القمع لسائر الحركات الإسلامية مقابل بعض الصفقات السياسية. قد يبدو هذان الأسلوبان في التعامل مختلفين ظاهرًا، لكن في الواقع هو أسلوب تعامل واحد يتم فيه استخدام الإسلاميين لتثبيت السلطة، وامتصاص غضب الجماهير، فعبر المواعظ الأخلاقية للصوفية أو التنطعات الفقهية للسلفيين يتم إلهاء الشعب عن الأمور السياسية وتعزيز الشعور بالرضا بالمكتوب والانشغال بالخلاص الفردي، واستثمار فائض أموالهم في بناء المساجد والزوايا بدلًا من توجيهها في مشاريع إنتاجية.

أما القمع لسائر الحركات الأخرى فهو ينبه الشعب إلى أن هذا هو مصير من يناطح السلطة بزعم امتلاكه لمشروع ما، أو إذا رحلت السلطة الحالية فسوف يأتي هؤلاء للحكم، مع بعض الصفقات السياسية معهم لتجميل الصورة لا أكثر. فلا مناص لأي فرد من أن يسلك إحدى الطريقين: مدجنًا من قبل السلطة يعمل في الإطار المحدد أو خارجًا على الدولة والمجتمع.

وكما بينا أن ظاهر التعامل مختلف لكنه متفق باطنًا حيث يضمن في النهاية سيطرة النخبة الحاكمة على مجريات الأمور والبقاء في السلطة والاستبداد بها. وكما بينا أيضًا فالعلاقة بين الطرفين علاقة نفعية تعاقدية يضمن كل طرف تعظيم منفعة الطرف الآخر وأيضًا حوسلة كل طرف للطرف الآخر: فالنخبة تحتاج الإسلاميين لتعزيز سلطتها وسيطرتها، وفي المقابل يحتاج الإسلاميون النخبة للاستفادة من الامتيازات أو لتقديم أنفسهم كبديل. وليس الأمر مقتصرًا على التعامل مع الإسلاميين الموجودين فعليًا على الأرض بل من الممكن خلق حركات ذات طرح إسلامي حسب الحاجة، أو حتى استقدامهم من الخارج.

المجتمع أيضًا يوظف الإسلاميين، فالمجتمع يحتاج إلى نفي خبثه وتطهير نفسه والحفاظ على مثالياته، فيقوم بالتخلص من عيوبه وإسقاطها على الإسلاميين، ومن هنا تنشأ صورة الإسلامي السيئة عند أفراد المجتمع وكأنهم يتفردون من دون بقية المجتمع بالشرور والآثام، وأيضًا مستعد للتضحية بهم في سبيل سعادة ورخاء الباقين. ومن هنا نفهم لماذا أيد المجتمع تقتيل الإسلاميين وإقصائهم والمطالبة بالمزيد من دمائهم.

وفي نفس الوقت يحتاج أفراد المجتمع من يقوم على شئونهم الدينية ويسلمون له مسئولياتهم تجاه الإله، فيقوم الإسلامي بالتفقه في الدين، وإقامة الصلاة، والإفتاء، وجمع الزكاة والصدقات وإعادة توزيعها. من جهة أخرى يستمد الإسلاميون قوتهم من هذه الوظائف الدينية، وتعزز شعورهم كأقلية بالأفضلية الأخلاقية والاستعلاء على باقي الناس. وهذه الوظائف والخبرات تتوارث: فابن الإسلامي يصير إسلاميًا مثله وكم سمعنا أن ابن الشيخ فلان يفتي، وأن ابن الشيخ علان يحكم وكأن مؤهله الوحيد للتصدر والإفتاء هو أنه ابن الشيخ، وهذا يكفي.

بعد أن تم تأطير العلاقة بين النخبة والمجتمع من جهة، وبين الإسلاميين من جهة أخرى، يبدأ إحساس الإسلاميين بالغربة يزداد، ويصبح الآخرون أغيارًا، وكما تقول الأنشودة المعروفة: “غرباء وارتضيناها شعارًا للحياة”.

ومن هنا تنشأ حالة التماسك بينهم وتتجلى هذه الحالة في الانتماء إلى طريقة معينة أو جماعة معينة أو التحلق حول شيخ، أو مشاركة بعضهم بعضًا في مشروعات اقتصادية، أو في متابعة وسائل إعلامية خاصة بهم لا يتابعها سواهم، أو ارتياد مواقع مخصوصة على شبكة المعلومات، فحتى الفضاءات التي من المفترض أن تكون مفتوحة لتشارك الجميع والتفاعل الحر لا تكون كذلك بالنسبة للإسلامي الذي من الممكن – منذ استيقاظه من النوم وحتى الرجوع إلى السرير تارةً أخرى- ألا يقابل أحدًا من الأغيار، فهو يذهب إلى عمله مع الإسلاميين، ثم يذهب إلى درس الشيخ فلان أو اجتماع تربوي للأسرة، ثم يشاهد قناة مخصوصة أو يفتح موقعًا معروفًا، وهكذا.

ونتيجةً لحالة العزلة والاغتراب المجتمعي التي يهيم فيها الإسلاميون، يتعمق لديهم الشعور بالانفصال عن الزمان والمكان، فلا الزمان زمانهم ولا المكان مكانهم بل ينشدون زمانًا آخر ومكانًا آخر، أو كما تقول الأنشودة في وضوح: “كم تذاكرنا زمانًا نحن يوم كنّا سعداء بكتاب الله نتلوه صباحًا ومساءً” يحنون إلى زمن الخلافة والمجتمع الإسلامي القويم صاحب الحضارة التي أنارت درب الإنسانية يومًا ما.

ومن هنا تنشأ هوية مستقلة عن المجتمع، فيقدم الإسلاميون أنفسهم للأغيار باعتبارهم أصحاب رسالة سامية وأصحاب الفهم الصحيح للدين، وحاملين أطواق النجاة والفرقة الناجية من ركب معهم نجا ومن تخلف عن الركب هلك، وهم يريدون الرجوع مرة أخرى إلى الأمجاد وإحياء الخلافة، ثم ماذا؟ نهاية التاريخ. ولهذا فإن أعداء الأمة يقفون في طريقهم ويتعاضدون على هزيمتهم ويتعاونون على إفشالهم ويجتمعون على رفضهم ومن هنا يتكون نموذج “المؤامرة” الذي يقرأ الإسلامي الأحداث من خلاله، في شكل من أشكال البارانويا.

سرعان ما تتطور رؤية أخلاقية ثنائية عند الطرفين، فلا تسري القيم الأخلاقية المطلقة لكل طرف على الآخر، فلا يتورع الممسك بخيوط السلطة عن قتل وتعذيب وقمع الإسلاميين، بينما يقوم بأداء فروضه الدينية على أكمل وجه رغم أن الدين يأمره: لا تقتل. ولا يخجل أصحاب دعوات الحريات وحقوق الإنسان من سلب حرية الإسلاميين وتضييق الخناق عليهم رغم أن فكره يخبره أن الحقوق والحريات طبيعية لا مكتسبة، وفي الجهة الأخرى يعتبر الإسلاميون الأغيار فساقًا/ مبتدعين/ مرتدين، فلا يتورع أحدهم من وضع قنبلة في قارعة الطريق فيضيع الأبرياء.

 

من هذه القراءة المتواضعة أظن أن بالفعل قد تم تحويل الإسلاميين إلى جماعة وظيفية بنجاح، وأنه من الممكن قراءة الأحداث الحالية والصراعات الدائرة الآن من خلال نموذج “الجماعة الوظيفية”. فالمستبدون متمسكون بوجود الإسلاميين وغير جادين في التخلص منهم على عكس ما يظهر، وإن زالوا فسيقومون بخلق حركات إسلامية جديدة. وكذلك الإسلاميون لا يرون أنفسهم كبديل إلا في ظل نظام مستبد.

وأنه لا سبيل للخروج من الدائرة المفرغة التي علقنا بها إلا بتقويض تلك العلاقة النفعية التعاقدية – التي أشرنا إليها- بين الإسلاميين وبين النخب الحاكمة والمجتمعات.
فالأنظمة المستبدة باقية لأنها ضمانة لعدم وصول الإسلاميين للحكم، والاستعمار يتدخل للحفاظ على مصالحه المهددة. والخاسر الوحيد هو الشعوب، والضحية البريئة هي ثورات الربيع العربي التي حاولت الخروج من الثنائية البغيضة: نحن أو هم، لتعطي للشعب حقه في إنشاء حياة حرة كريمة في ظل نظام سياسي منتخب ودولة قوية تحافظ على مقدرات ومصالح الشعب وتحميه.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد