يواصل اليهود سعيهم في جمع شتاتهم المتناثر حول العالم، كما يواصلون محاولة التوسع والتحكم في رقعة جغرافية أكبر، فمنذ وعد بلفور واليهود يجتهدون في توسيع مساحتهم في أراضي فلسطين والأراضي والمجاورة لها، فكانت الحروب سبيل ذك تارة وطاولة المفاوضات تارة أخرى، غير أن الغريب هو محاولة اليهود التوسع هذه المرة في منطقة تعد بعيدة كل البعد عن الأراضي الفلسطينية المحتلة، بل وأراضي تابعة لدولة روسيا…

شبه جزيرة القرم التي يسكنها السكان الأصليون المعروفين بتاتار القرم والتي تقوم بتسييرها إداريا روسيا والتي ترى أنها جزء من أراضيها في الوقت نفسه الذي ترى فيه أوكرانيا أنها أراض أوكرانية تحت الاحتلال الروسي، تحتوي على ما يقارب ستة إلى ثمانية آلاف يهودي، يرجع تاريخ تواجدهم في هذه المنطقة إلى ما قبل سنة 1919، ومع تواجد هذا العدد المعتبر ناهيك على بعض الخلفيات التاريخية تقدم عدد كبير من اليهود يصل إلى حوالي 40 ألف شخص بطلب للرئيس الروسي فلاديمير بوتين لمنحهم الجنسية الروسية من أجل العيش والإستقرار في شبه جزيرة القرم، خطوة جاءت بعد سنة من خروج نائب المدير العام لوزارة الخارجية التابعة للكيان الإسرائيلي اليكس بن زيفي لوسائل الإعلام قائلا: “أن أي قرار سيتخذ على أساس الحوار الروسي الأوكراني سوف يناسبنا.. فحتى يتم التوصل إلى إجماع تعتزم إسرائيل الحفاظ على موقف محايد”، كلمات لم تكن بريئة خاصة بعد أن تمت هذه الخطوة مباشرة بعد سنة من إعلانها، ناهيك على كون هذا الخطاب جاء ليثبت البعد الذي تحمله هذه المنطقة لليهود خاصة وأنها رشحت من قبل أن يتخذوا منها وطننا قوميا من أوائل القرن الماضي، كما أنها أحد أكبر المدن التي تحتوي على تجمعات يهودية.

الخلفية التاريخية لتواجد اليهود في القرم

وبالرجوع لهذه الخلفية التاريخية التي يتغنى بها اليهود من فينة إلى أخرى خاصة في منطقة القرم فإننا سنعود لمطلع القرن الماضي ففي سنة 1919 رفض الزعيم الروسي وقائد الثورة البلشفية لينين أن يكون لليهود موطن أو حكم ذاتي في القرم، في ذات الوقت كانت قوميسارية اليهود القومية تبحث عن موطن لم شتت اليهود المتناثر في أرجاء العالم والبحث عن أي مكان يرتبط اليهود به بصفة أو بأخرى من أجل أن ينشأوا فيه دولة إسرائيل.

وبما أن روسيا كانت تحتوي في ذلك الوقت على قرابة الثلاثة ملايين يهودي فإن القرم كانت الجنة بالنسبة لهم خاصة وأنه سكنها في تلك السنوات أزيد من خمسين ألف يهودي في الوقت عينه الذي كان السكان الأصليون من تاتار القرم يحسون بخطر قادم من هذه الفئة خاصة بعد أن بدأ عددهم في الزيادة حيث وصلوا بحلول سنة 1936 إلى قرابة الثلاث مائة ألف نسمة، ومع هذا التزايد وهذه الهجرة المنظمة لم يعجب تاتار القرم أكثر وأكثر باليهود ما دفع بهم لاضطهادهم حسب مصادر يهودية، غير أن فكرة الوطن القومي في القرم لم تخرج من ذهن اليهود إلى غاية سنة 1944 حيث أعادوا طرح هذه الفكرة مرة أخرى بإنشاء حكم ذاتي لهم هناك، غير أن ستالين واصل بنفس الفكر الذي حمله لينين بل وأصر على أن موطن يجمع شتات اليهود يكون في الشرق الوسط وبالتحديد في منطقة فلسطين لما لها من خلفية دينية في كتب اليهود أنفسهم.

ليكون ذلك بمثابة رد صريح على استحالة إنشاء وطن قومي لليهود بالمنطقة، في نفس الوقت كانت الأحداث العالمية تتسارع وعمليات الهجرة وشراء الأراضي الفلسطينية تتم وفق ما خطط له اليهود وحلفاؤهم، ما وجههم لإغلاق ملف القرم والعمل على احتلال فلسطين وفقا لما جاء في وعد بلفور، إلى غاية اندلاع الأزمة الدبلوماسية بين الأكرانيين والروس منذ سنوات ما أسال لعاب اليهود في التوسع خارج القارة الآسيوية والوصول إلى أجزاء إستراتيجية شمال أوروبا.

التوسع المنتظم لليهود…

وعلى الرغم من كون اليهود قد حققوا ما صبوا إليه بإنشاء موطن قومي لهم واستحواذهم على الأراضي الفلسطينية وبموافقة دولية فإنهم لم يشعروا بالاكتفاء خاصة مع تزايد أعدادهم وكبر طموحاتهم وتطور فكرهم الإستعماري، فبدأ بأخذ أجزاء أكبر من الأراضي الفلسطينية، فقد تم رسم الحدود المعروفة بحدود 47 ثم أخذوا مناطق أكبر سنة 67 لينطلقوا في مهمة لغزو أراضي مجاورة فألحقوا سيناء وهضبة الجولان بإسرائيل هاتان الأرضان اللتان سرعان ما تم إستردادهما من قبل الجيوش العربية في حرب أكتوبر 73، غير أن التوسع تواصل ببناء مستوطنات جدد على حساب الأراضي الفلسطينية ليرسموا بذلك حدود وهمية جديدة مطلع هذه الألفية والتي شهدت محاولة توسعهم جنوب لبنان العملية التي باءت بالفشل، ليواصلوا العمل على التوسع أكثر إلى أن أعلن الرئيس الأمريكي دونالد ترامب السنة الماضية على نقل سفارة بلاده للقدس المحتلة لتعد بالنسبة له جزء من أراضي الكيان الصهيوني.

في الوقت عينه يبقى طموح اليهود مثل ما رسموه على رايتهم وطن يمتد من نهر النيل إلى نهر دجلة، غير أن حركتهم الأخيرة في محاولة الهجرة المنتظمة للقرم نفست هذا المعتقد بل أوضحت للعالم أن اليهود يسعون للإستلاء على كل الكرة الأرضية وجعلها ملكا لهم وأن فكرة أرض الميعاد ما هي إلا كذبة يحاولون من خلالها الإستلاء على أراضي أكبر واستعباد شعوب أكثر.

خطة اليهود للاستحواذ على القرم…

محاولة اليهود في جلب جنسيات روسية للعيش في القرم أعادت للأذهان الخطة التي استخدموها من أجل الإستلاء على الأراضي الفلسطينية، كما أن كلمات حكومتهم تأكد على أن الفكرة اليهودية لا تزال سارية المفعول، خاصة وأن اليهود قد دخلوا الأراضي الفلسطينية من قبل بطريقة مدروسة ومنتظمة عن طريق الهجرة والإستيطان وشراء الأراضي ما يجعل أعداد المهاجرين تزداد سنة بعد أخرى وما يدفع بهم للتحكم في مفاصل حساسة في البلاد، ومع مرور الوقت تكوين أقلية قادرة على رفع صوتها تحت مسمى الإضطهاد، غير أن العامل المساعد هذه المرة وجود ما يطلق عليه دولة إسرائيل وقيامها وفقا للمواثيق الدولية ما سيسهل العملية أكثر إضافة إلى كون شبه جزيرة القرم منطقة نزاع، وهذا ما يبشر بسهولة توقيع وعد بلفور ثاني بعد مائة سنة من الوعد المشؤوم الأول، فهل سنرى توسعا لليهود في القرم؟

Embed from Getty Images

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد