كان العقل صفحة بيضاء لم ينقش عليها شيء، عضلة لم تألف الحركة خارج نطاق الغريزة، وبعد حدود رد الفعل. ومن أداته المتواضعة هذه، كان عليه أن يبدأ مغامرة كبرى مع الكون، وقفزة أولى نحو المعرفة، فكانت الأسطورة. وعندما يئس الإنسان تمامًا من السحر، كانت الأسطورة كل شيء له. كانت تأملاته وحكمته، منطقه وأسلوبه في المعرفة. أداته الأسبق، في التفسير والتعليل، أدبه وشعره وفنه، شرعته وعرفه وقانونه، انعكاسًا خارجيًّا لحقائقه النفسية الداخلية. فالأسطورة نظام فكري متكامل، استوعب قلق الإنسان الوجودي، وتوقه الأبدي لكشف الغوامض التي يطرحها محيطه، والأحاجي التي يتحداه بها التنظيم الكوني المحكم الذي يتحرك ضمنه. إنها إيجاد النظام حيث لا نظام، وطرح الجواب على ملحاح السؤال، ورسم لوحة متكاملة للوجود، لنجد مكاننا فيه ودورنا في إيقاعات الطبيعة. إنها الأداة التي تزودنا بمرشد ودليل في الحياة، ومعيار أخلاقي في السلوك، إنها مجمع الحياة الفكرية والروحية للإنسان القديم.

عندما تقرأ تلك الكلمات فقد تصيبك الصدمة وتكثر في رأسك الكثير من التساؤلات: هل ارتباط ذهن الإنسان جاء من كون الإنسان مخلوقًا أرضيًّا؟ فهل حقًّا لأن الإنسان ولد ووجد نفسه على الأرض وكل مكوناته المادية هي الماء والطين، ولأنه خلق ووجد من حوله الأرض والبحر والسماء، ثم بعد ذلك النار والرياح أصبح يمجدها ويقدسها؟ وهل يمكننا اكتشاف سبب اختراع الإنسان للأسطورة على أنها أداة للكشف عن القوة البدائية الغائبة وراء مظهر العالم، ووكيفية عملها وتأثيرها ومحاولة ربطها بحياتنا، وتفسير ذلك الغموض، وبحسب رؤية الإنسان القديم -الضغيف العاجز- وصل به الأمر أمام قوة تلك الأشياء إلى عبادتها

فلم أستطع يومًا التوقف عن القراءة في علم الأساطير، فهو عالم متسع شيق ولطالما أبهرتني وسحرتني حضارات بابل وحضارات بلاد الرافدين وأساطيرها، وأحيانًا قد يصل بك تلك العالم إلى الغموض؛ فيجعلك تتساءل ما إذا كانت الأساطير شكلًا من أشكال الأديان السماوية، وهنا يأتي كتاب «مغامرة العقل الأولى» الذي ما أن انتهيت من قراءته إلا وشعرت بالمتعة الممزوجة بالكثير من التساؤلات، فهذا الكتاب يتناول أساطير بلاد الرافدين وسورية، إذ قبل قراءة هذا الكتاب قد تظن أن فكرة الآلهة المتعددة هي مجرد فكرة موجودة لدى الأساطير اليويانية فقط، ولكن كما يبدو فقد ظهرت منذ بدء الحضارات القديمة البابلية والسومرية، ثم انتقلت إلى الشرق، ولكن المميز هنا أنه لم يقتصر فقط على شرح الأساطير أو عرضها، فوضح «فراس السواح» توضيحًا عميقًا لأساطير الأولين وعلاقتها بالأديان.

 هل اعتمد النص التوراتي على النص البابلي أو أي من النصوص الأخرى؟ والجواب الذي أراه بالدراسة الموضوعية للنصوص هو نعم. مع بقاء الاحتمال قائمًا في رجوع النصوص جميعًا إلى نص أقدم، أو إلى رواية بقيت في أذهان شعوب المنطقة من ديانة توحيدية سابقة. والواقع أن الهيكل العام للرواية التوراتية ينطبق بكل خطوطه العريضة، وبكثير من تفاصيله على النص البابلي حتى إن بعض التعابير تكاد تنطبق بحرفية مطلقة.

فراس السواح يسأل ويجيب في كتابه عن اعتماد النصوص التوارتية على النصوص البابلية، ولكن مع متابعة القراءة فستجد بشكل عام كيف يوضح ارتباط الأساطير بعلم مقارنة الأديان، وهو ما يجعله ليس بمغامرة العقل الأولى، ولكنه مغامرة ناتجه من العديد من المغامرات الطويلة الشاقه المليئة بالبحث الشيق ودراسة وترجمات لما وجد من ألواح تعود للعصور السابقة، وهم سبعة أسفار حسب رواية الكاتب (التكوين- الطوفان- التنين- قابيل وهابيل- العالم الأسفل- الإله الميت- الفردوس المفقود).

فقراءة الكتاب تحتاج إلى مزيد من الجرأة والشجاعة، فالأساطير لم تكن يومًا قصصًا تحكى للأطفال قبل النوم، ولا مصدرًا للتشويق والتسلية، فماذا وراء كل تلك الأساطير التي نسمعها كل يوم؟ فهل الأساطير تحتاج حقًّا مغامرة من العقل؟

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

علامات

أدب, رأي, كتب, مقالات
عرض التعليقات
تحميل المزيد