من الشائع، أنه عندما يلتقي فرد من الدول المغاربية بآخر من دول المشرق العربي، فإن المشرقي يكاد لا يفهم المغاربي، أما المغاربي فيفهم المشرقي، وحتى أنه يتحول من لهجته المغاربية إلى اللهجة المشرقية أثناء حديثه ليسهل على المشرقي فهمه. وبرنامج «المسامح كريم» هو عينة عن ذلك، فترى أغلب الضيوف المغاربيين يتحدثون كلمات وحتى جمل باللهجة الشرقية من حين لآخر، حتى يتسنى للمنشط والجمهور فهم ما يقولون. فلماذا تستطيع الشعوب المغاربية فهم وحتى تحدث اللهجات الشرقية كالمصرية والشامية والخليجية، أما الشعوب الشرقية فلا تفهمهم؟

أهم الأسباب وراء ذلك هي ضخامة إنتاج الميديا في المشرق من إخراج سنيمائي وموسيقى ودبلجة، إلى البرامج الدعوية والإعلامية والترفيهية، وغزوها لكامل أرجاء الوطن العربي. فلا تكاد تجد بيتًا في المغرب العربي، نساءه وفتياته لا يعرفن مسلسل «باب الحارة» أو مسلسل «بيت جدي»، أو لا يشاهدن مسلسلات تركية مدبلجة باللهجة السورية. حتى أن مشاهدة تلك المسلسلات تمثل جزءًا من البرنامج اليومي لبعضهن، خاصة النساء الماكثات في البيت.

بل حتى من الرجال من يشاهد مسلسلات بطولية جزءا بجزء، وحلقة بحلقة. فتجدهم يتجادلون في المقهى بحماس، عن كيف سيهجم البطل «نصار» على مخفر الحارة في الحلقة القادمة من المسلسل السوري «الخوالي». فضلا عن المسلسلات والأفلام والمسرحيات اللبنانية والمصرية والخليجية، التي اكتسحت بيوت المغرب العربي بقوة، منها المحافظة، ومنها الناشرة للانحلال الأخلاقي والأسري والمجتمعي.

كما كان للقنوات والبرامج الموجهة للأطفال نصيب في تعويد الفرد المغاربي على اللهجة المشرقية منذ نعومة أظافره، على غرار قناة طيور الجنة، فتسمع الأطفال يتغنون بأناشيد مثل «ماما جابت بيبي..»، وأنشودة «بابا تيليفون..قلو مو هون» على الرغم من أنها ليست بلهجتهم المغاربية. وأيضا، أسهمت الأغاني والموسيقى في إيصال اللهجة المشرقية إلى آذان المغاربيين، مثل الأغنية الفلسطينية «راجع ع بلادي… ع الأرض الخضرا راجع ع بلادي» التي كل ما نسمعها يتجدد فينا التعلق بقضيتنا الأم، وحب الوطن والأمة.

أما عن الجانب الديني، فأول ما يجمع سكان المغرب والمشرق العربي هو دين الإسلام، ففي الماضي اعتاد سكان المغرب العربي على شراء شريط «الكاسيت» للاستماع إلى علماء الدين مثل العالم الجليل «الشعراوي» رحمه الله. ومع عصر الفضائيات كثرت القنوات الدينية، وعلى الرغم من أن أغلبها كانت تبث من دول المشرق، فإنها استهدفت كافة الوطن العربي، بالإضافة إلى القنوات غير الدينية التي حرصت على بث برامج دينية. فكان للخطباء والدعاة وعلماء الدين المشارقة فضل في إيصال اللهجة الشرقية إلى المغاربيين.

وأمام كل هذا الحجم الهائل من الإنتاج السنيمائي والإعلامي والدعوي والترفيهي النابع من المشرق، والموجه إلى كافة أرجاء الوطن العربي، لم ترق الإنتاجات المغاربية إلى الوصول إلى شاشات المشارقة، ما لم يتح لهم فرصة التعرف على اللهجة المغاربية، وعلى ثقافة المغرب العربي ككل.

فمن هم المغاربة؟ هل هم عرب؟ وما هو أصل لهجتهم؟

قبل الفتح الإسلامي لمنطقة شمال أفريقيا (تسمى حاليا بالمغرب العربي الكبير)، كان الأمازيغيون يتحدثون لغتهم الأمازيغية، والمنقسمة إلى عدة لهجات حسب اختلاف المنطقة. وفي زمن الخليفة عمر بن الخطاب والخليفة عثمان بن عفان رضي الله عنهما، انطلقت الحملات الأولى لفتح شمال أفريقيا، إلى أن اكتمل فتح المنطقة في زمن الخلافة الأموية، فوصلت اللغة العربية إلى شمال إفريقيا بفضل الفتوحات الإسلامية. ثم بدأت هجرات القبائل العربية من شبه الجزيرة العربية إلى شمال أفريقيا كقبائل بني هلال وبني سليم وقبائل أخرى، وبذلك أصبحت اللغة العربية هي اللغة الغالبة في المغرب العربي الكبير.

حافظت القبائل الأمازيغية على موروثها الثقافي وهويتها ولغتها إلى يومنا هذا، كما تعايشت مع العرب، واختلطت أنسابهم بالزواج من بعضهم البعض. فقال في ذلك، العلامة عبد الحميد بن باديس رحمه الله، وهو أحد الرموز العظماء للإصلاح الفكري ومقاومة المستعمر الفرنسي بالجزائر، «إن أبناء يعرب (العرب) وأبناء مازيغ (الأمازيغ) قد جمع بينهم الإسلام منذ بضعة عشر قرنًا، ثم دأبت القرون تمزج ما بينهم في العسر واليسر، وتوحدهم في السراء والضراء، حتى كونت منهم منذ أحقاب بعيدة عنصرًا مسلمًا جزائريًا أمه الجزائر وأبوه الإسلام». ونتيجة لذلك، أدخلت كلمات أمازيغية إلى اللغة العربية في المغرب العربي، كما أن البعد الزمني والمكاني عن موطن اللغة العربية (المشرق)، جعل عدة تغيرات تطرأ على اللغة بالمغرب العربي، فكانت تلك أولى مراحل ولادة اللغة العربية الدارجة في المغرب العربي.

ثم أتى دور مسلمي الأندلس، فبعدما عاشوا هناك ثمانية قرون، انفردو بثقافتهم وتشكلت لديهم لغة دارجة أسميت بالعربية الأندلسية. وبسقوط غرناطة سنة 897 هجرية (1492 ميلادية)، هرب الأندلسيون بدينهم وأعراضهم وأرواحهم إلى المغرب العربي، فكان لهم دور إضافي في تغير اللغة الدارجة المغاربية، وابتعادها عن أمها العربية الفصحى. وفي سنة 921 هجرية (1516 ميلادية) وصل حكم الدولة العثمانية إلى المغرب بعد استنجاد الجزائر بها لحمياتها من الهجمات الإسبانية المتكررة على سواحلها، إلى أن امتد الحكم العثماني إلى كامل أرجاء المغرب العربي. وبما أن اللغة التركية كانت لغة الحكم، أثرت هي أيضًا على اللغة الدارجة المغاربية آنذاك.

والآن جاءت مرحلة شناعة الاستعمار الأوروبي، ففي القرنين التاسع عشر والعشرين، أخذت القوى الأوروبية تتوسع للسيطرة على كل رقعة جغرافية في العالم بقوة السلاح. فكانت تونس والجزائر والمغرب وموريطانيا مستعمرات فرنسية، حيث انتهجت فرنسا سياسة طمس الهوية المحلية لمستعمراتها وترسيخ الثقافة الفرانكوفونية، فمنعت تعليم اللغة العربية والدين الإسلامي، وقتلت وعذبت العلماء، ودمرت المساجد وحولت بعضها إلى كنائس وإسطبلات للحيوانات، وأحرقت المكتبات والكتب. وجعلت اللغة الفرنسية لغة التدريس والجرائد والحكم والإدراة واللافتات وغير ذلك. وكان «آباء الكنيسة» الفرنسيون يدرسون أبناء المغاربيين بالفرنسية، بدافع ترسيخ الثقافة واللغة الفرنسية من جهة، ونشر المسيحية والحؤول دون توريث الإسلام للأجيال الصاعدة من جهة أخرى. وانتهج المستعمر الإسباني في المغرب والمستعمر الإيطالي في ليبيا سياسات مشابهة لطمس هوية تلك الشعوب.

فكانت تلك المرحلة الاستعمارية هي الأشنع في تاريخ اللغة الدارجة في المغرب العربي، حيث أقحمت عليها آلاف الكلمات الفرنسية والإسبانية والإيطالية، والتي تتداول إلى يومنا هذا بشكل يومي في المغرب العربي، منها كلمات سليمة مثل «كاميون» و«بيسيكلات» وتعنيان «شاحنة» و«دراجة» بالفرنسية؛ وكلمة «فاتشا» و«ميزيرية» وتعنيان «وجه» و«بؤس» بالإيطالية؛ وكلمة «سمانة» و«كارطة» وتعنيان «أسبوع» و«ورق اللعب» بالإسبانية. كما توجد كلمات محرفة عن نطقها الأصلي مثل «فرشيطة» أصلها بالفرنسية «فوغشيت» وتعني «شوكة الأكل»؛ وكلمة «كوجينة» أصلها بالإيطالية «كوتشينة» وتعني «مطبخ»؛ وكلمة «فيشطة» أصلها بالإسبانية «فييسطا» وتعني «حفلة».

كل هذه المراحل التاريخية، جعلت من التركيبة السكانية، والثقافة، واللغة الدارجة بالمغرب العربي كما هي عليه الآن، كما ساهمت الميديا الشرقية في تعريف المغاربين بالثقافة واللغة الدارجة بالمشرق العربي، بينما انحصرت الميديا المغاربية على دول المغرب العربي فقط، ما جعل المغاربيون يبدون غرباء في نظر أشقائهم المشارقة.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد