إن التحدث بصدد مسألة الصحف الورقية والإلكترونية هو أمر أشبه بالحوار المعتاد حول الكتب الورقية والإلكترونية، إلا أن الفرق بينهما يتمثل في اختلاف طبيعة المحتوى المعروض، لكن كلاهما مصادر للمعلومات التي لا يوجد أي إجابات قطعية حتمية بشأن مستقبلها، بل هناك ما يمكن أن نطلق عليه «محاولات» ساعية للتنبؤ به في ضوء المعطيات المتاحة.

ينقسم الناس في المجمل بشأن هذا الخصوص إلى قسمين، يتمثل أولاهما في الفئة المتحيزة في ادعاء أن الصحف الورقية أبدية الوجود، وأن ما تعايشه من تحديات مجرد عقبات لا تغني عن وجودها وهيمتنها على الساحة الإعلامية الإخبارية، ينبع ولاء هذه الفئة للاعتقاد المفرط في الإيجابية من حبهم أو حساسيتهم تجاه تفاصيل الصحف الدقيقة، التي تشمل ملمس صفحاتها، ورائحتها، وشكل الخط، وجودة الصور، حتى تجاه قدرتهم على الإمساك بقلم الحبر لتحديد بعض الكلمات في مقال ما، أو لحل الكلمات المتقاطعة في صفحة الألغاز والتسلية. في المقابل، يمثل القسم الآخر من الناس الفئة الداعمة والمؤيدة لفكرة إطاحة الإنترنت بهيبة الجرائد وتسببه في تقليص مبيعاتها لتصبح «صناعة الصحف» في مهب الريح. ولكن مما هو جدير بالذكر أن مبيعات الصحف وشعبيتها بدأت في التراجع في الفترة ما بين 1980- 1995، أي قبل وجود الإنترنت أصلًا. علمًا بأن هذه الحقيقة لا تنفي الطريقة التي تأثرت فيها الصحف المطبوعة سلبًا بسبب ظهور الإنترنت و«الإعلام الإلكتروني»، كون الأخير قد قدم كل الخدمات والمهام المنوطة بالجرائد على طبق من ذهب للجمهور في طريقة أكثر عصرية وأكثر سهولة للوصول. لقد مهد الإنترنت الطريق للقرّاء، والناشرين، والكُتاب، وأصحاب الإعلانات للوصول إلى أهدافهم.

بالإضافة إلى التكلفة المرتفعة لصناعة الورق والمواد الخام، والتي تؤثر في عملية إنتاج الصحف، من المتوقع تزايد القرارات والحركات البيئية العالمية في المستقبل التي ترى استخدام خشب الأشجار في صناعة الورق فعلًا مشينًا، بل تجرمّه في ضوء ما يعانيه العالم من أزمات بيئية خانقة. التحدي الجديد الذي يظهر في وجه «الصحافة الورقية» إلا إذا وجد بديل صديق للبيئة عن المصدر الأوحد المتاح حاليًا.

وقبل البدء في البحث عن حلول المشكلة، يجدر بنا البحث وراء أسبابها، أو على الأقل السعي لمعرفة سبب إقبال القرّاء على تفضيل النسخ الإلكترونية على الورقية الملموسة. من البديهي معرفة أن الصحف الإلكترونية تقدم تغطية على مدار الساعة سهلة الوصول ومعدومة الكلفة نسيبًّا على خلاف الجرائد التي تباع عادة في بداية كل يوم لتناقش قضايا وأحداث اليوم السابق. لقد جعلت الصحف الإلكترونية الأمر أسهل على الكُتاب الراغبين في مشاركة أفكارهم وآرائهم بضغطة زر، وعلى المُعلنين الذين يدفعون مقابلًا ماديًّا أقل مما يفترض دفعه للصحف الورقية مع الحصول على أكبر عدد من الجمهور بوسعه مشاهدة هذا الإعلان. جنبًا إلى جنب مع تخفيف العبء على الناشرين، كون عملية «النشر الإلكتروني» لا تتطلب عمليات تستلزم الوقت والمال، مثل التوزيع، والطباعة، والبيع.

كل المعلومات الموجودة في متناول الأيدي تقودنا إلى طريق واحد يخبرنا بالأزمات التي تواجهها الصحف الورقية على كافة الأصعدة، وتثبت لنا أنها حقًّا في طريقها إلى الزوال ما لم يمتلك الأفراد والمؤسسات المسؤولية لأخذ الأمر على محمل الجد ولتضافر الجهود سعيًا لإحياء هذا «النمط الورقي» من وسائل تقديم الخبر وعرض المحتوى. ولكن لمَ يتوجب علينا القيام بخطوة كهذه؟ بدايةً، إن غياب الصحف الورقية يعني تسليم الراية لوسائل التواصل الاجتماعي والمنصات الإلكترونية المختلفة لتكون هي المصدر الوحيد للتصريح بالخبر، الأمر الذي قد يؤدي لنتائج لا تُحمد عقباها، انطلاقًا من تنوع واختلاف رواد هذه المنصة، والذين قد لا يكونون بالضرورة على قدر من المهنية والاحتراف لتولي زمام مهمة سامية مثل الصحافة، بل قد يتسببون في تضليل الناس، ونشر الإشاعات، والتلاعب بالأخبار بقصد أو سهوًا. ثانيًا، أن الوقوع في شباك انتهاك حقوق الملكية الفكرية أسهل في حالة النشر الإلكتروني إذ إن الصحف الورقية قد لا تلتزم بقوانين الملكية، خصوصًا إذا كان فريق عملها من محبي تكتيك النسخ واللصق. وستظل هذه المشكلة تؤرق مبدعي الوسط الصحافي في ظل عدم وجود قوانين صارمة تحفظ حقوقهم وملكيتهم لما يكتبون، إلا إذا استحدثت إجراءات قانونية أو اتفاقيات تعنى بهذا الجانب.

خِتامًا، تسلط هذه النتائج الضوء على الحاجة الملحة لإنعاش الصحف الورقية، من خلال القيام بعدة خطوات، تشمل إنشاء نسخة إلكترونية لكل صحيفة ورقية، كنوع من مواكبة التطورات، وتلبية لحاجة الجمهور المتعطش لكل جديد. كما يمكن أن تبذل إدارات الصحف مزيدًا من الجهد لتقديم تغطية إعلامية على مدار الساعة للأحداث، إما من خلال المواقع الإلكترونية للصحف، أو من خلال إصدار أكثر من نسخة من الجريدة الورقية في اليوم. وربما ينجح القيام ببعض التعديلات على الشكل العام والتصميم أو المحتوى للجريدة في جذب عدد أكبر من القراء، وبالتالي زيادة المبيعات. وإلا سنكون مضطرين لرؤية الصحف الورقية تلفظ أنفاسها الأخيرة في أي وقت، لتغادر الساحة الإعلامية كما فعلت العديد من الصحف العالمية في وقت ما.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد