لا أدري بأي الكلمات أكتُب، لكن مادامَ لديَّ القدرة على الكتابة سأكتُب عن أي شيء أود تغييره حتى لا أندم يومًا على الصمت السلبي، واللامبالاة الفاشلة، فما حملتُ القلم إلا لذلك، ليس لموهبة كامنة أريدُ التباهي بها عن طريق رص كلمات بجوار بعضها البعض، ولكن لأشياء كثيرة غير ذلك حملت القلم.

ولذلك فموضوعي هذا يحمل كم من القهر والسخط ومع كل تعابير الألم التي من الممكن أن تحمِلُها النفس البشريَّه، كنَّا نعتب كثيرًا على الحُكَّام وننزل بموجات من السخط والكراهيَّة عليهم، لكن إذا فتَّشنا بداخلنا سنجد أن العيب فينا أيضًا كشعوب في طريقة تفكيرنا ومعالجتنا للأمور.

فالجميع تابَعَ في الآونة الأخيرة قضية (عهد التميمي)  تلك الطفلة التي تحمل من العمر 18 عامًا، التي قُيدَّت وأُخِذَت من بيتها فجرًا بعد ضرب قوى الاحتلال لأهلها ومصادرة بعض ممتلكاتهم، فتلك الأخبار تمَّ تداولها بكثافة في أقل من 24 ساعة، وامتلأت السوشيال ميديا بها وبصور البطلة (عهد التميمي) وذلك ما نتمنَّاه بأن نغضب للأسرى، ولكن لم كل تلك الثورة من أجل عهد التميمي فقط، وعرض كبار محامي مصر الدفاع عن عهد، وامتلأت القنوات العربية غير الفلسطينية بأخبار أسر عهد التميمي، كل ذلك ما نتمناه من أجل كل أسير يعاني من القهر والظلم والإستبداد والتعسف الذي يقوم به الاحتلال، ولكن عندما أجد أننا لم، ولن نثور إلا لعهد التميمي، وهناك جانب آخر من أطفال يعانون من الضرب والقهر على أيدي الاحتلال، ولا شعاع نور واحد يُضيء لهم ظُلمة الزنزانة للتعريف بهم وبنضالهم، مثل عهد التميمي، بالرغم من أنهم أصغر من عهد كثيرًا، لم يعيشوا طفولتهم، ولم ينعموا بتسليط إعلامي واحد، ماذنبهم في أنهم ليسوا مثل عهد التميمي الشقراء؟!

فعندما كنت أُقلب في أخبار الأسرى، وجدتُ طفلًا  يُسمى (طارق أبو خُضير)، يحضر جِلسته وقد ذهبت ملامح طفولته من آثار الضرب التي على وجهه، وأخفت معها ملامح طفولته البريئة، وقفت مع نفسي كثيرًا أمام صورته، لماذا لم ينال طارق الطفل الأسير كل تلك الضجة الإعلاميَّه التي نالتها عهد، أليس طفلًا ويصغُر عن عهد كثيرًا، لماذا لم ندافع عن حق الطفولة بكل سواسية؟ لماذا لا نطالب الأمم المتحدة وكل الجهات المعنيه بحقوق الطفل لكل هؤلاء الأطفال الأسرى، التي تذهب طفولتهم وهم لم يعيشوها بعد؟ لماذا اختزلنا كل الأسرى في عهد التميمي؟ لماذا نُزود قهر هؤلاء الأطفال الأسرى فوق القهر والظلم الذي يعيشونه؟

وإذا  نظرنا لقضية عهد التميمي ليس لكونها طفلة، ولكن لكونها فتاة، لا يجوز أن تُعاني كل ذلك الظلم والقهر والاستبداد، فكل مَنْ ينادي بحقوق المرأة لم يقبل ماحدثَ لعهد التميمي.

فكيف لهؤلاء الذين استنكروا اعتقال عهد التميمي ممَنْ ينادون بحقوق المرأة؟ أن يغفلوا عن كل هؤلاء الفتيات والسيدات المحرومات من مواصلة التعليم، ومن تربية أطفالهم، ومن استكمال علاجهم ؟ فمن هؤلاء السيدات من أُصيبت برصاص الإحتلال ولم تستكمل علاجها بعد، وعان أهاليهم من الوصول إلى الإعلام للحديث عن بناتهم المصابات في سجون الإحتلال، ومنهن مَنْ تعاني من الحروق التي أكلت جسمها وتمنعها أن تعيش بصورة آدميَّه كريمة، وبالرغم من ذلك محكوم عليها بـ11 سنة من السجن، وهي التي لا تستطيع أن تُطعم نفسها، ولديها طفل صغير في أمسَّ الحاجة إليها، وهي أيضًا في أمسَّ الحاجة لأهلها وللعلاج، فهي الأسيرة حرة النفس العزيزة إسراء جعابيص ذات الـ32 عامًا، التي تعيش مع آلام الحروق بين زنازين الاحتلال، وغيرهن الكثير ممن لم ينالوا أي ضوء إعلامي، وهم في أمسَّ الحاجة إليه، لماذا نمارس الظلم على بعضنا البعض، ونحن كشعوب عربيَّه، أكثر مَنْ يعاني من الظلم والقهر وويلاتهم.

لا أُقلل من معاناة عهد التميمي وطفولتها التي تُسلَب منها، ولكن هناك مَنْ يريد مثل تلك الضجة الإعلاميَّه وأكثر، فلتملأوا كل الساحات بأخبار المظلومين، فهذا ما نريده، السواسية في تحقيق العدل، فكَّ اللَّه أسر الأحرار، مَنْ بعزائمهم، نُبصِر النور، ونستمد من قواهم العون على المواصلة.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد