هل يمكن لنا أن نقول إنّ الرواية ظلت حبيسة في الأدراج الزمنية والتاريخية لتلك الحقبة التي ولد وتجلى فيها هذا الفن الأدبي، واستطاع تجاوز الواقع ودمجه بالمخيلة والأحلام، حتى استنفذ كافة وسائله ولم يعد هناك من جديد في أوج ازدهار الحضارة الحديثة؟ وأن ذات التدخل الأدبي مع مرور الوقت في فرض أطر معينة وقوانين مسننة قد أدى إلى تهتك الجسد الروائي ونزفه، ليفقد روحه التي حلّت فيه لحظة ولادته من رحم الفكر البشري في حقبة ماضية؟

يرى هوسرل، بصفته باحثًا عن المعرفة كأحد روافد الوعي، أن «شغف المعرفة الذي تمثله الرواية هو روحانية العصر الأوروبية»، هكذا نشأ العالم الحديث وظهرت معه الرواية لتعكس الصورة الحقيقية لهذا العالم، وهذه وجهة نظر مقبولة.

وفي محاولتنا الإجابة عن العنوان علينا أن نتلمس مقدار ما شطّت به ذاكرتنا البشرية والأدبية ذات ولع وشغف بالأحكام الجاهزة، ومطالبتنا للعمل الروائي بتقديمه لمثل هذه الأحكام، وفي هذا نحن نحكم على العمل قبل ولادته، وإنّما كان ينبغي أن نبحث عما يثيره فينا العمل من أسئلة، وكيف يدفعنا للبحث عن إجابات، هكذا يكون ثريًّا ومثريًا بمحتواه.

ولأننا نميل ببشريتنا وطبعنا دومًا باتجاه الحكم على الأشياء، علينا التخلص من حدتنا قليلًا، ومنح ذواتنا الفرصة لنسعى في نصوصنا، لنقدم الفهم والتحليل على الحكم.

علينا أن نتبنى نظرية الممكن واللاممكن، والنسبية في نظرتنا إلى الشخوص والأحداث داخل النصوص، فالزمن الحديث يقوّض الكثير من التقليد والموروث القديم ويقدّمه بصورة جدليّة أكثر.

ويثور هنا تساؤل إن كانت الرواية الحديثة هي صنيعة أوروبية فهل استطاعت ثقافتنا العربية أن تنافس في هذا الفن الأدبي؟ أم أننا نعيش في زمن التكرار الروائي؟ زمن توقف التاريخ الروائي وتعضية الأفكار، تقطيعها وتشتيتها، كما وصفه بعض النقاد العالميين.

إذا كانت الإجابة هي الأولى علينا أن نأتي بالدليل، وذلك بذكر تلك الأعمال التي ماثلت الأعمال العالمية في قوتها وعمقها، وإن كنّا سنميل للمقولة الثانية فنحن مطالبين بالتعليل؛ فهل من السهل علينا أن ندخل الخيال والحلم بالواقع فنصنع شيئاً مختلفًا؟ أم أنّنا لن نتمكن من تجاوز الحدود المرسومة مما يبقينا في دائرة الظل الروائي؟

نقبع محصورين في سيناريو عاطفي فارغ ومستفرغ من أفكاره، لا يعدو كونه يخاطب العاطفة في الجمهور القارئ، ولن أقول الجمهور الأدبي، فالأول يفقد كل شخص فيه فرديته حين يجتمع بحماسة على فكرة تنظيرية واحدة يجري ترويجها له عند غياب الوعي الأدبي للفرد، واندماجه في اللاوعي للمنتج الجديد، وهو الجمهور المتلقي وعليه يجري التلقي ورواج الحالة الروائية التي لا تميز بين الجيّد والرديء، فتتردى الذائقة العامة بالرغم من أنّ هناك عمقًا فكريًّا يستطيع أن يميز، ولكنه لا يتجاوز منطقته، فصوت الجمهور أعلى من صوته، وبالتالي نعود لنتساءل هل ما زلنا نمسك بزمام الرواية أم أنّنا في منطقة التكرار والتوقّف الزمني لها؟

من الذكاء أن نرى الواقع الروائي كما هو عليه أي أن نحسن تقييمه، ومن الشجاعة أن يكون لدينا رؤية أفضل لتغيير هذا الواقع، فنصنع أهدافًا ورؤية لتحسينه، ثم بعد ذلك يأتي الحسم والعزم من خلال العمل على الفكرة وبنائها وتطبيقها ليحصل بذلك ما أردنا من إعادة البناء.

وفقًا لبورخيس، فالكتاب هو الأكثر دهشة بين كل الأدوات التي اخترعها الإنسان طوال تاريخه، إذ إن بقية الأدوات هي امتداد للجسد، فالميكروسكوب والتلسكوب امتداد لرؤية الإنسان، والهاتف امتداد لسمعه، المحراث والسيف امتداد لذراعه، غير أن الكتاب امتداد لشيء آخر، امتداد للذاكرة والمخيلة.
العمل على الرواية من خلال بنائها؛ فالبناء يبدأ من الفكرة، وعمود ذلك وقوامه السرد الروائي، الأدوات التي نمتلكها هي ما تحدث الفرق لدينا، وبِما أن السّرد على قول النّاقد تيري إيجلتون: «ليس تعبيرًا أيديولوجيًّا محضًا عن طبقة ما ولكنه منجز أيديولوجي على نحو محدد».

بذلك يجري صنع الحركة داخل الرواية من خلال السرد، فالسرد هو ذلك التتابع الزمني داخل الرواية، بينما التاريخ هو حدث منتهٍ، يجري وصفه خلال الأحداث. وهذه الحركة الروائية تمنع تكدّس الأحداث، وتحافظ على خط سير العمل، وبذلك يمكن لها أن تبعث الحياة في النّص الروائي مجددًا، حتى لا يصبح إرثًا قديمًا أو تاريخًا ماضيًا تمامًا، كقطعة أثرية نادرة تعرض من خلال واجهة زجاجية جامدة لا حراك فيها ولا حياة.

التأطير الزائد للأحداث، ومنع الأفكار من الانتشار خلال الأحداث، وضعف الأدوات، هو الحلقة التي تعيدنا للنقطة ذاتها للعودة والتساؤل من جديد، هل الرواية موءودة أم مولودة؟

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد